القطيعة
يُعتقد أنه قبل ٣١٠٠ عام، وقعت أزمات معقدة كانت السبب في انهيار حضارات العصر البرونزي، في إقليم شرق البحر الأبيض المتوسط، خلال فترة لم تتجاوز حياة جيل واحد. وقد أدت تلك القطيعة، إلى أربعة قرون من التراجع الحضاري أوالنهضوي، حيث فقد الناس كيفية القراءة والكتابة. ونتيجة لذلك، لم تترك تلك الفترة المظلمة أي سجلات تشير إلى حد سقطت تلك الحضارات.
وبعد مرور ثلاثة آلاف عام، نحن شعوب الأمم المتحدة قد عقدنا العزم على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف. ورغم ذلك، فقد كان الوعد والبنية القانونية والمؤسسية الرامية إلى الوفاء به، قد أفضيا إلى – أو لم يحيدوا أبداً عن - تكرار ويلات الحروب والإبادة الجماعية. ولذلك، يدين تحالفنا تلك الحروب الدائرة، والحكومات التي أدى عدوانها الى إنزلاق الكوكب في هذه الدوامة من الدمار التي أصبحت مألوفة.
كما أن الأعمال الهمجية التي لحقت بمهد الحضارة، منذ تأسيس الأمم المتحدة، تناقض المبادئ السامية التي نادى بها مؤسسوها الغربيون. وفي حين أن خطة عام ٢٠٣٠ لاتزال تعبر عن رؤية تنموية، فإنها تظل بعيدة جداً عن متطلباتها الأساسية في مجال حقوق الإنسان. وبدلاً من ذلك، أصبح التحول الموعود به – وكما جاء في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مؤخراً، في المنتدى الاقتصادي العالمي – بمثابة قطيعة.
وفيما تتصاعد الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، بدأت الدول الأخرى تدرك أن التفاوض مع القوة المهيمنة لا يعتبر من أعمال السيادة. فنحن بحاجة إلى مزيد من المصارحة، وليس مجرد التكيف مع التيار السائد. فيبدو أن رعاة القانون الدولي البارزين قد خانوا ثقتنا.
لقد شوّه محور الولايات المتحدة وإسرائيل، على نحو خاص، ركائز ميثاق الأمم المتحدة المتمثلة في، الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، حتى أصبحت منقادة لنظام إمبريالي مفترس. فحتى العمل الإنساني تم تحريفه لتشكيل دائرة، لا تولد سوى لحظات عابرة من الإغاثة، لتُسخّر في النهاية في خدمة الإبادة الجماعية المستدامة: العملية السادية المتدرجة (مثلقص العشب) والتي توقع أكبر ضرر ممكن بالشعب المضطهد – إلى الأبد. ويذكّرنا محور القوى هذا، بأن التاريخ لم يبدأ في ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣؛ ولا بالإبادة الجماعية التي يرتكبها.
كما يذكرنا ذلك، بما أنجزناه على مدى القرن الماضي، ولو على المستوى النظري والفكري فحسب. وفي هذا العام، من بين الاحتفالات الحالية، ذكرى مرور خمسين عاماً على إنشاء التحالف الدولي للموئل، ومؤتمر الأمم المتحدة الأول المعني بالمستوطنات البشرية. وفي هذا العدد، يعكس المقال الخاص ب المضي قدماً بالمعايير الدولية، في الذكرى الخمسين للتحالف الدولي للموئل ، المسار الطويل نحو وضع المعايير المتعلقة بقضايا الموئل خلال نصف القرن الذي سبق حالة القطيعة الحالية. كما يدعو إلى التساؤل حول الآفاق المستقبلية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، هو تقنين مفهوم الإهلاك السكني/ Domicide، مع مزيد من التحديد الوارد في تقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في أواخر عام ٢٠٢٥، على النحو المبين في مقال أبعاد الإهلاك السكني للإبادة الجماعية. ويعقب ذلك أخر التطورات بشأن ملف الاستيلاء على الأراضي في السودان، الذي مزقته الحرب. مع إيلاء الاهتمام بنمط تركيز ملكية الأراضي بشكل مكثف في بلد ما أثناء النزاعات، كما يسلط هذا المقال الضوء على المصالح الاستغلالية للدول خارج حدودها الإقليمية. ويؤكد هذا الاستنتاج على الضرورة الملحة للتوصية الصادرة عن مشاورات منظمات المجتمع المدني الإقليمية، ومنتدى الأرض في عام ٢٠٢٤، لوضع مجموعة من المبادئ حول الاستثمار الزراعي المسؤول والخاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
استمراراً لعملية إرساء المعايير في نظام حقوق الإنسان. في هذه الفترة، تقدم نشرة أحوال الأرض/Land Times مجموعة من المقالات والتقارير عن مساهمات المنظمات الأعضاء في التحالف الدولي للموئل (HIC) والمتعاونة، لتقديم المشورة للجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (CESCR) بشأن صياغة تعليق عام جديد حول التزامات العهد في حالات النزاع.
في الذكرى الخمسين لليوم الوطني للأرض في فلسطين والذي يأتي في (٣٠ آذار/مارس)، يشرح مقال جمال طلب العملة، القيمة الفلسفية والوجودية لشجرة الزيتون، ولماذا تشكل هدفًا رئيسيًا لسياسة التدمير الاستعماري الإسرائيلي ضد الأرض ومن عليها.
فيما يركز القسم الخاص بالتطورات العالمية على قضايا الأراضي في المنظومة العالمية، والتي تتأثر بشدة بحالة القطيعة الحالية. وبينما نحتفل بمرور خمسين عامًا على انشاء التحالف الدولي للموئل (HIC) ومؤتمر الموئل الأول، كما يسلط مقال الغذاء يركز على الأرض الضوء على المساهمات الواردة في التقرير الختامي للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء مايكل فخري.
كما يحتفي هذا العدد بالنتائج الجديدة التي نشرها المرصد العالمي للأراضي بشأن حالة حيازة الأراضي، لكنها تحذر من بعض مخاطر الرقمنة التي ينبغي تجنبها. وتتزامن هذه التطورات مع استعراض نتائج المؤتمر الدولي للإصلاح الزراعي والتنمية الريفية (ICARRD+20) من منظور التحالف الدولي للموئل، حيث كان ينبغي لإطار الأمم المتحدة بشأن الانتصاف والجبر أن يحقق نتيجة أفضل.
فيما تشكل التطورات الرامية إلى جبر الخسائر والأضرار الناجمة عن التغيرات المناخية، بما فيها السكن والأراضي والممتلكات، موضوع نهج الانتصاف للخسائر والأضرار.
ومن الأمور الإيجابية أيضًا، استضاف مشروع فضاءات نسائية تدريباً تعليميًا في تحقيق اتساق سياسات السكن والأراضي في أوغندا. حيث تقدم شبكة حقوق الأرض والسكن تقريراً عن وجهة نظرها حول هذا التطور الملهم.
وبينما يشهد هذا العدد من نشرة أحوال الأرض/LandTimes على القطيعة التي نعيشها في وقتنا الحالي، يسعى كذلك المساهمون في هذا العدد إلى أن يكونوا جزءًا من الانتصاف.
|