نحو إصلاح منظمة الأغذية والزراعة(الفاو) واستعادة الفضاء الديمقراطي للمجتمع المدني
على مدى العقد الماضي، تراجعت سياسات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة(الفاو) بشكل ملحوظ في احترام وتعزيز استراتيجية الشراكة مع منظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية المعتمدة في عام 2013، والتي تركز على خمسة أهداف استراتيجية للقضاء على الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة قد تعهدت في ذلك الوقت ببناء بيئة مواتية ومساندة للحوار بين الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية.
لقد ألحقت الأزمات المتعددة أضراراً جسيمة بنظمنا الغذائية وجعلتها تواجه حالة من الهشاشة طويلة الأمد. ومع ذلك، لم تعمل منظمة الأغذية والزراعة على تعزيز الأطر الديمقراطية لرسم السياسات ووضع البرامج الكفيلة بمواجهة هذه الأزمات.
وقد أدى هذا التراجع إلى نقض الوعد المتمثل في ضمان بقاء الغذاء حقاً أساسياً من حقوق الإنسان مكفولاً للجميع، بدلاً من تحويله إلى مجرد سلعة تجارية يستأثر بها القلة.
ويرى المجتمع المدني أن إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين يجري استبداله وإقصاؤه في عمليات صنع السياسات وحوكمة النظم الغذائية.
ويعد المنتدى العالمي للأغذية (WFF) في عام 2021، إلى جانب قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية (UNFSS) والقمة العالمية للأغذية (WFS)، سوابق واضحة في هذا الصدد.
إذ عملت هذه الكيانات الجديدة التي تصيغ السياسات المتعلقة بالغذاء على تهميش الجهاز الرئيسي والشرعي لصنع السياسات الغذائية في الأمم المتحدة لصالح جهات فاعلة نقابية وتجارية غير حكومية. وتتحكم التكتلات العالمية للصناعات الزراعية، والكيماويات الزراعية، والصناعات الدوائية، والتكنولوجية في توجيه الوظيفة التنفيذية للأمم المتحدة، لاسيما في مرحلة ما بعد الجائحة.
وحتى على المستوى الإقليمي، أصبحت المؤتمرات الرسمية التي تنظمها الفاو لوزراء الزراعة كل سنتين لتقييم سياسات الأمن الغذائي خاضعة بشكل ملحوظ لهيمنة القطاع الخاص وأولوياته، في حين يتم استبدال منظمات المجتمع المدني ذات الكفاءة السياساتية بجمعيات خيرية منتقاة بعناية.
وعلى وجه الخصوص، تأثرت استراتيجية الشراكة والتعاون بين الفاو ومنظمات المجتمع المدني في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا (NENA) بهذا النهج العام المتمثل في تقليص دور منظمات المجتمع المدني لصالح الشركات والجهات الفاعلة الاستثمارية.
وظلت المشاورات المستمرة مع منظمات المجتمع المدني، والتي اتخذت شكل ورش عمل متعلقة بالأمن الغذائي منذ عام 2016، رمزية ومظاهرية إلى حد كبير. حيث كان المسؤول الوحيد من الفاو في هذه المشاورات، وهو مستشار سياسات أول، يتعمد دائماً مغادرة الغرفة عندما تناقش منظمات المجتمع المدني القضايا السياساتية الجوهرية الخاصة بالفاو.
ولم تسفر سلسلة التقارير ولا البيانات الرمزية المقدمة إلى المؤتمرات الإقليمية الرسمية للمنظمة عن أي تأثير ملموس على صناع القرار فيها، بل إنها لم تسهم حتى في تعديل أو تخفيف المقترحات السياساتية التي تتعارض تماماً مع أولويات المجتمع المدني ومواقفه الحقوقية.
ومن بين هذه التوجيهات إرشادات مثل دعم المزارع الأسرية الصغيرة والاستثمارات في المياه الزراعية. فمن خلال هذه الأدوات، تروج الفاو، بالتعاون مع المقاولين والشركات الاستشارية، لخصخصة المياه العامة في القطاع الزراعي.
وتدفع المشورة السياساتية المتعلقة بالدعم الحكومي للزراعة الأسرية وليس بالضرورة للمزارعين الأسريين بصغار المزارعين الأسريين ومنتجي الأغذية في نهاية المطاف نحو التحول إلى خارج القطاع الزراعي. وتمهد هذه المشورة الطريق للشركات الكبرى الحائزة للأراضي، بينما تتجاهل الأولويات الملحة والراهنة لهؤلاء المنتجين، والمتمثلة في: الديون الساحقة، وغياب الأجر المعيشي العادل، وحرمانهم من حقهم الإنساني في التنظيم والاتحاد، وغياب الحماية من المضايقات التي يواجهونها من المؤسسات الحكومية.
وفي غضون ذلك، تضافرت جهود البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والفاو للتوصية بتفكيك جمعيات مستخدمي المياه الفعالة لصالح المصالح الخاصة.
أما الرؤى المتعلقة بالنظم الغذائية القائمة على الجهود التي تقودها المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية، والمستندة إلى الإيكولوجيا الزراعية، والملتزمة بالعدالة المناخية، والمساءلة، والسيادة الغذائية، فلا تزال حاضرة بشكل رمزي فقط في أدبيات ولغة الفاو.
وقد برزت مقترحات عديدة من المجتمع المدني والحركات الاجتماعية تدعو إلى إصلاح منظمة الفاو، باعتبار ذلك فرصة سياسية لتلبية الحاجة إلى تحقيق قدر أكبر من الاتساق والترابط بين وكالات الأمم المتحدة التي تتخذ من روما مقراً لها، على امتداد ركائزها الأساسية الثلاث: حقوق الإنسان، والتنمية، والسلام والأمن. وتؤكد هذه المقترحات أيضاً على أهمية وجود نظام أممي قوي ومتعدد الأطراف تحتفظ فيه الدول الأعضاء بسلطة اتخاذ القرار مع خضوعها التام للمساءلة.
وقد شكلت اللجنة الدولية للتخطيط والتنسيق لمنظمات المجتمع المدني من أجل السيادة الغذائية (IPC) لجنة لدراسة إصلاح الفاو، استناداً إلى الأساس المشترك لميثاق الأمم المتحدة وركائزه الثلاث، ولتطوير نهج متسق يأخذ في الاعتبار وظائف الفاو ودور المجتمع المدني كشركاء فاعلين وحقيقيين.
منظمات المجتمع المدني تسعى لإيجاد حلول لعدم الاتساق الهيكلي:
- تمكين النقابات الزراعية الأصيلة باعتبارها «المنصة» الممثلة للأسر الزراعية ذات الحيازات الصغيرة؛
- مساعدة الفاو على الاعتراف بالمؤسسات المدنية المحلية واحترامها كجزء من نهج وطني/إقليمي يرتكز على حق الشعوب في تقرير المصير؛
- تطوير منهجية واضحة للانتقال من أدوار الإغاثة المؤقتة والأدوار الخيرية إلى أدوار تنموية مستدامة؛
- تفعيل مبادئ السيادة الغذائية، بما في ذلك السيادة على الثروة الوطنية والموارد الطبيعية؛
- تقصير سلاسل إمداد الغذاء لتعزيز العدالة الاقتصادية؛
- السعي لتحقيق الاتساق بين السياسات كما هو محدد في المنتدى الاجتماعي للغذاء (FFS) بدلاً من مفهوم الرابطة الثلاثية التضليلي الذي أطلقته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لاحقاً؛
- تحقيق الاتساق وتجميع الموارد، بما في ذلك البيانات المشتتة عبر المنظومة؛
- معالجة ظاهرة تركيز حيازة الأراضي الناشئة عن الأزمات والنزاعات كما تثبته الأحكام والاجتهادات القضائية الدولية.
أطر معيارية وحقوقية أخرى للمرجعية المتبادلة بين الفاو ومنظمات المجتمع المدني:
|