عمليات "الإخلاء الأخضر"
تتعرض المجتمعات في المستوطنات غير الرسمية للتشريد وبشكل متزايد بذريعة حماية البيئة، والتكيف مع المناخ، والحد من مخاطر الكوارث. فمن مشاريع التخفيف من حدة الفيضانات في أمريكا اللاتينية، إلى مناطق حماية الطبيعة في أفريقيا، إلى برامج بناء القدرة على الصمود في المناطق الساحلية في آسيا، تُستخدم المخاوف البيئية كسلاح لتبرير عمليات الإخلاء التي تنتهك حقوق الإنسان وتكرس عدم المساواة الحضرية.
وفي حين أن المخاطر البيئية الحقيقية تستدعي التحرك، إلا أن الاستجابة السائدة وهي اللجوء إلى – عمليات الإخلاء القسري دون إعادة توطين ملائمة أو مشاركة مجتمعية - تحول الحوكمة البيئية إلى أداة للتشريد. وفي الوقت نفسه، يشكل الهدف العالمي بشأن مؤشرات التكيف والتي اعتمدها مؤتمر الأطراف في دورته الثلاثين (CoP30)، خطراً إضافياً يتمثل في تحفيز عمليات إعادة التوطين التي تتجاهل الحقوق الفردية والجماعية الناشئة عن الاحتياجات الإنسانية المشتركة، وتنتهك تلك الحقوق في نهاية المطاف.
وكانت عمليات الإخلاء الأخضر موضوع لفاعلية نظمتهل مؤسسة ميسيريور (MISEREOR) على هامش المنتدى الحضري العالمي (WUF13) في ساحة معرض الموئل (Habitat Village). وخلال حلقة النقاش، أجاب السيد جوزيف شكلا منسق شبكة حقوق الأرض والسكن (HLRN) على السؤال التالي:
في السنوات الأخيرة، طورت شبكة حقوق الأرض والسكن قاعدة بيانات الانتهاكات (VDB) لتشمل حالات التشريد المتعلقة بحماية البيئة والتكيف مع المناخ. ما الذي دفع شبكة حقوق الأرض والسكن إلى القيام بذلك، وكيف يمكن للمنظمات الأعضاء والجمهور استخدام تلك البيانات في عملهم مع المجتمعات المتضررة و/أو في العمليات المتعلقة بصياغة السياسات؟
ورداً على ذلك، ومن خلال تجربة شبكة حقوق الأرض والسكن، مع قاعدة بيانات الانتهاكات (VDB)، فهناك عدداً متزايداً من تلك الحالات الموثقة والتي شملت الحكومات، أو بنوك التنمية، أو منظمات الحفاظ على البيئة، أو السلطات المحلية، والتي تبرر إزالة المستوطنات البشرية باسم التكيف مع المناخ، أو الحد من مخاطر الكوارث، أو المجابهة، أو الانسحاب المنظم. وفي الوقت نفسه، تجد المجتمعات المتضررة بأن هذه العمليات نفذت بشكل قسري، ودون تشاور كاف، أو أنها وصلت الى حد الإخلاء القسري.
كما يعد إطلاع المجتمعات المحلية وصانعي القرار السياسي، من أهم القضايا في العشرين عاماً الماضية والتي تنطوي على عمليات إخلاء قسري للسكان بحجة مشاريع بيئية. وما حفز شبكة حقوق الأرض والسكن إلى تغيير منهجيتها هو تلك الأنماط التي ظهرت والتي توضح عدم الاتساق الهيكلي عبر القارات. وقد كشفت كيف أن:
١. الأرض أصبحت ذات قيمة اقتصادية أو استراتيجية.
٢. اللغة البيئية تستخدم أحياناً لوصف الاستخراج/السيطرة تحت مسمى الحماية، أو التحول الأخضر، أو الحفظ، أو التنمية البيئية.
٣. إبعاد الشعوب الأصلية، وأهل الريف، والفقراء، و/أو الضعفاء سياسياً بطرق أخرى، مما يتكبدون تكاليف وخسائر وأضراراً تستوجب سبل الانتصاف.
٤. تعليق الاحتياجات الإنسانية والحقوق المقابلة لها تتم باسم الضرورة الكوكبية.
وقد لاحظت شبكة حقوق الأرض والسكن، أن قضية حماية البيئة تكون متسقة من الناحية الهيكلية، إلا إذا حافظت على كل من النظم البيئية والحقوق المختلفة للسكان في توازن مستدام. ومع ذلك، فإن أي مشروع أخضر يتطلب تشريداً قسرياً، فإنه يعيد إنتاج نفس منطق الهيمنة مثل مشاريع الاستخراج والتعدين الاستعمارية. و تلك الحالات رغم انها تعكس علامات تسويقية مختلفة لكنها تحتفظ بنفس الهيكل والنتائج. وبعض الحالات التوضيحية الرئيسية مسجلة ومفصلة في قاعدة بيانات الانتهاكات (VDB) ومن بينها:
١. عمليات الإخلاء لقبائل الماساي (Massai) - تنزانيا؛
٢. عمليات الإخلاء لمجتمعات سينغوير - كينيا؛
٣. عمليات الإخلاء لمجتمعات الأديفاسي من أجل محميات النمور - الهند؛
٤. عمليات الإخلاء لسكان باتوا - (أوغندا، رواندا، جمهورية الكونغو الديمقراطية)؛
٥. عمليات الإخلاء الناجمة عن تعويض الكربون، والحد من الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها (REDD)- الأمم المتحدة/بلدان متعددة مثل هضبة باتيكي (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، وكارداموم الجنوبي (كمبوديا)، وأنتسوتسو (مدغشقر)؛
٦. عمليات الإخلاء أوجيك - كينيا؛
٧. عمليات الإخلاء الشعوب الأصلية من أجل تعدين الطاقة الخضراء - أمريكا اللاتينية وأفريقيا (تشيلي، صربيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية)؛
٨. عمليات الإخلاء لسكان بينيت - أوغندا؛
٩. عمليات الإخلاء التكيف مع المناخ الساحلية - جنوب وجنوب شرق آسيا (بنغلاديش، إندونيسيا، نيجيريا، الفلبين)؛
١٠. الفصل العنصري في منطقة صن بيلت - أريزونا، الولايات المتحدة الأمريكية؛
١١. انهيار بتروبوليس الأرضي - البرازيل.
النمط الهيكلي في جميع الحالات
القضية المركزية ليست في حماية البيئة. فالانهيار البيئي حقيقي يتحقق من خلال الغازات الدفيئة المنبعثة من سياسات التحضر والتصنيع وتراكم النفايات، خاصة في عالم الشمال. ويبرز التناقض عندما يتم التعامل مع النظم البيئية واختزالها في كونها قيمة أو سلعة سوقية، بينما يُعامل السكان المستضعفين على أنهم قابلون للاستبدال أو يمكن التخلص منهم. ويتفاقم التناقض عندما تدفع المجتمعات المستضعفة ثمن جشع صناع القرار الأكثر ثراءً والاكثر قوة في نهاية المطاف.
وهذا الأمر يكشف التسلسل الهرمي الفعلي لسلم الأولويات في السياسة، حيث تضع الحكومات نفسها في موقف الاختيار بين التنمية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي تنطوي على الإخلاء القسري. وفي مثل هذه الحالات، تواجه الحكومات كذلك معضلة المفاضلة بين قضية حماية البيئة وجريمة الدولة، إلا أنها تمنح الأولوية للأخيرة.
و النموذج البيئي المتسق يتطلب الآتي:
• موافقة حرة ومسبقة ومستنيرة للأطراف المعنية بالمشاريع،
• سيادة الشعوب الأصلية على أراضيها ومواردها الطبيعية،
• الاعتراف الرسمي بأولوية حقوق الحيازة المشروعة على طول سلسلة/ استمرارية الاشكال المختلفة لحقوق الأرض المتصلة،
• المشاركة غير التعسفية،
• احترام سلطة الإشراف المحلي،
• الحماية البيئية دون نزع للملكيات،
• المساءلة أمام الجهات الفاعلة الصناعية والحضرية التي تقود التدمير.
وبغياب أحد هذه الشروط، تصبح الحوكمة الخضراء، درعاً أخلاقياً للسيطرة على الأراضي، وعلى حساب شعوبها الأصلية أو مجتمعاتها المحلية المتضررة.
فالنمط المتكرر هنا، ليس الحفاظ على البيئة مقابل الناس. بل هو السلطة المركزية مقابل السكان الذين يفتقرون إلى القوة الكافية وغيرها من الموارد لمقاومة التهجير.
ولا تزال تظل مجموعة معايير الحد الادنى لحقوق الإنسان المعنية بالإخلاء القانوني – وبأي تعبير لطيف آخر – وبفضل وظيفتها الوقائية والانتصافية المزدوجة، سارية النفاذ منذ ثلاثة عقود لتوجيه سياسة متسقة معنية بقضايا الموئل. وقد يؤدي تنفيذ تلك الاجراءات الوقائية إلى تجنب تحويل المدن المتأثرة من تغير المناخ إلى مناطق لنزاع الحضري، كما هو الحال في أطرافها ايضاً.
للحصول على التحليل الكامل (باللغة الإنجليزية)، رجاء مراجعة عمليات الإخلاء الخضراء في قاعدة بيانات الانتهاكات (VDB)
صورة المقال: مجموعة من السكان يجمعون ممتلكات من منازل هدمها مسؤولون حكوميون في الواجهة البحرية في إقليم أوتودو-غبامي في لاغوس، نيجيريا، يوم السبت 18 آذار/مارس 2017. المصدر: صنداي ألامبا/أسوشيتد برس (AP).
|