يا أهل الضمير الحيّ
كم مرّة سمعنا الشعب الفلسطينيي المضطهَد ينادون طلبًا للنجدة بصرخة “يا جماعة خير”، مناشدين مَن تبقّى من أهل الضمير الحيّ في هذا العالم؟ وهو النداء ذاته الموجَّه إلى كل الرجال والنساء ذوي النيّة الحسنة، والذي رددّه البابا ليو الرابع عشر مؤخرًا، في رسالته العامة (الإنسيكليكا) بشأن صون الإنسان وقيمته في زمن الذكاء الاصطناعي. فالنداء إلى أهل الضمير الحيّ لم يكن أكثر إلحاحًا مما هو عليه اليوم. فأين هم في خضم هذه الأزمة المركّبة من الانهيار الأخلاقي والبنيوي؟
وستجدون مَن يمثّلهم على صفحات هذا العدد، العدد 35، من “LandTimes/أحوال الأرض”.
واستجابةً لنداء “الملائكة الأفضل في طبيعتنا”، كما فعل أبراهام لينكولن قبل 165 عامًا، يرصد هذا العدد جهودًا مدنية لتدارك مظالم راهنة وتاريخية تحرم الشعوب من حقها في موئل إنساني، الذي يتعرّض لحصار شديد من قوى هدّامة.
بالتركيز على منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، يعرض العدد الحالي من “LandTimes/أحوال الأرض”، مبادرات من المجتمع المدني في الإقليم، إلى جانب نظيراتها على الصعيد العالمي، من أجل بناء موئل حقوق الإنسان والدفاع عنه. ويُفتتح العدد بمقالة تتناول خطاب شبكة الأرض وحقوق الإسكان (HLRN) الموجَّه إلى الحكومات في المنتدى العربي للتنمية المستدامة المنعقد هذا الربيع، مذكّرًا بالقضايا ذات الأولوية والقيم المعرَّضة للخطر في إطار الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة، الذي يَعِد بجعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة بحلول عام 2030. وسيرافق هذا الموضوع الخاص للمنتدى السياسي الرفيع المستوى (HLPF) لهذا العام الاستعراضَ الكامل لأداء ثماني دول من دول المنطقة في تنفيذ خطة عام 2030 حتى الآن، على النحو الذي جرت معاينته هنا أيضًا.
غير أنّ واقع ما نشهده في الإقليم من نزاعات وتشريد جماعي، يُلقي بظلاله على كثير من هذا التقدّم بشأن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يفضي إلى استعراض الدروس من الحرب الحضرية المستقاة من تجربة الإقليم منذ عام 1948. ويتمتع المجتمع المدني المحلي بسجلّ طويل في معارضة الحروب والتحذير منها، وهي حروب اتخذت جرائم فظيعة منذ استعمار أوروبا لفلسطين في فترة ما بين الحربين. ويعكس التلويح باستخدام التجويع سلاحًا بشكل بارز في هذا المشهد الجحيمي الناتج عن ذلك، مما يزيد من الضرورة الملحة للدعوة إلى إجراء “التحول البنيوي”. وينعكس ذلك في آفاق تنفيذ “أجندة العمل السياسي المشترك” الصادرة عن منتدى نييليني العالمي الثالث مؤخرًا، مع التركيز على أولويات الإقليم، كما طرحتها شبكة حقوق الأرض والسكن- التحالف الدولي للموئل (HIC-HLRN).
ويسلّط القسم الخاص “أخبار أعضاء التحالف” الضوء على منظمة “غو قرين السودان”، التي يُظهر ملفّها التعريفي كيف تسعى المبادرات المدنية إلى سدّ الحاجة إلى الحماية البيئية، حتى وإن كان في سياق واحدة من أشدّ أزمات الحروب والتشريد على وجه الأرض. كما يسعى التحالف الدولي للموئل وأعضاؤه، إلى إيجاد شركاء لتحقيق موئل حقوق الإنسان الذي لا يزال بعيد المنال، بما في ذلك توقيع مذكّرة تفاهم جديدة مع برنامج الأمم المتحدة للموئل، يرد ذكرها هنا، لضمّ الجهود في هذا المسعى ضمن إطار الخطة الاستراتيجية لذلك البرنامج للفترة 2026–2029، وكذلك “الأجندة الحضرية الجديدة” التي تبلغ هذا العام، منتصف مدّتها، في عامها العاشر.
وعلى الصعيد العالمي أيضًا، يعود العدد 35 مجددًا إلى تناول تقارير نمط انتهاكات الحق في الأرض والسكن المتصاعدة في إقليم كشمير والواقع تحت الاحتلال الهندي، على مدى الأشهر السبعة الماضية.
علاوة على ما تحظى به أذربيجان بتركيز خاص من خلال الإصدار الجديد لشبكة حقوق الأرض والسكن، حول قضايا انتهاكات الحق في الأرض والسكن هناك منذ مطلع الألفية. وتركّز المقالة التلخيصية في هذا العدد على العاصمة باكو، والتي استضافت المنتدى الحضري العالمي الذي يعقد كل سنتين، في دروته الثالثة عشر (WUF13)، تحت شعار “إسكان العالم: مدن ومجتمعات آمنة وقادرة على الصمود”. وقد وُثّقت الأنشطة العديدة للتحالف الدولي للموئل في المنتدى في مقالة مرفقة في هذا العدد، ومن بينها حفل الذكرى الخمسين لتأسيس التحالف، والذي تزامن في هذه المناسبة السعيدة مع برنامج “موئل الأمم المتحدة”، التي تأسست هي الأخرى في أول مؤتمر للأمم المتحدة للإسكان والمستوطنات البشرية في فانكوفر، كولومبيا البريطانية، عام 1976.
ومن بين القضايا التي تناولتها شبكة حقوق الأرض والسكن في فعاليات المنتدى، ظاهرة “الإخلاءات الخضراء”. وتقدّم المقالة التي تحمل هذا العنوان تحليلًا للأنماط الناشئة عن حالات لتلك الانتهاكات في مناطق مختلفة، حيث تنطوي مشاريع حفظ الطبيعة أو مواجهة تغيّر المناخ على عمليات للإخلاء القسري، ونزع الملكية لأكثر الفئات ضعفًا في طريقها في تنفيذ تلك المشاريع.
وهؤلاء الضحايا غير المباشرين لتغيّر المناخ معظمهم يقيمون في المناطق الريفية والنائية، غير أنّ هذا التقرير عن العمل المدني يتجاوز أيضًا حدود المدن وذلك من خلال انخراط التحالف الدولي للموئل الفاعل ممثلاً للفئة الحضرية التي تعاني انعدام الأمن الغذائي في آلية المجتمع المدني والشعوب الأصلية للعلاقة مع لجنة الأمن الغذائي العالمي (CSIPM). وتمثّل هذه الفترة نقطة تحوّل من عدة جوانب، إذ يشهد تمثيل التحالف الدولي للموئل تجديدًا في وقت يستعد فيه أصحاب المصلحة المعنيون الإصلاح المرتقب لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو).
وتأتي هذه العملية في وقتها المناسب، عقب فشل “قمة المستقبل” العام الماضي، لكنها تعيدنا إلى نقطة البداية: النداء الموجَّه إلى جميع أهل النيّة الحسنة لتصحيح المسار المنحرف الذي يسلكه العالم اليوم، وتحقيق التحوّل البنيوي المنشود.
|