English عن التحالف اتصل بنا العدد 35 تموز / يوليو 2026 الرئيسسة
تطورات اقليمية

الدروس من حروب المدن

منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت بلاد جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا ساحات قتال في دائرة الهيمنة الأمريكية والأوروبية على أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة. سواء في ظل الاحتلال والاستعمار كما هو الحال في فلسطين والصحراء الغربية، أو من خلال الغزو وتسليح الميليشيات الوكيلة لزعزعة استقرار المنطقة وإدخالها في حالة من الأزمة الدائمة، فقد وفرت هذه الفترة أيضاً أرضاً اختبارية لشركات التكنولوجيا الغربية وتجار الأسلحة لتطوير تكتيكات وأسلحة تشمل تطورات مهمة في حرب المدن.

وقد ظهرت ثلاثة دروس رئيسية على الأقل، وتجلت بشكل خاص في معركة حلب، ومعركة الموصل، وعمليات الإبادة الجماعية المستمرة التي تشنها اسرائيل في غزة. وقد أجبرت هذه المعارك، الجيوش على إعادة التفكير في الافتراضات المتعلقة بالتكنولوجيا، والسيطرة على المدن، وكيف تتكشف حروب المدن في الواقع. الآن أصبحت الدروس التي تشكل التخطيط للحرب المستقبلية هيكلية وليست ظرفية.

١. تفوق الاستخبارات اكثر اهمية من القوة النارية

في المدن المزدحمة، تكون رؤية ساحة المعركة أكثر حسمًا من امتلاك أكبر عدد من الأسلحة. في الموصل، كانت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تتمتع بقوة نارية ساحقة وتفوق جوي، إلا ان التقدم تباطأ بشكل كبير في الأحياء التي تواجد فيها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية حيث:

• يختبئون بين السكان المدنيين

• يستخدمون الأنفاق ومواقع إطلاق النار المخفية

• ينتقلون باستمرار بين المباني.

وبدون معلومات استخباراتية دقيقة، أنتجت الكميات الكبيرة من القوة النارية، دماراً، لكن ليس سيطرة.

في حلب، أصبحت المراقبة – وخاصة الطائرات بدون طيار واستخبارات الإشارات – حاسمة لتحديد:

• أعشاش القناصة

• مستودعات الأسلحة

• مواقع القيادة.

في غزة، كانت البنية التحتية الكثيفة والشبكات تحت الأرض تؤدي لعدم قدرة القوات على الاعتماد على الرؤية التقليدية في ساحة المعركة. لذا أصبح المبدأ الناتج الآن وتؤكد الجيوش الحديثة على:

• المراقبة المستمرة

• تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي

• تحديد الأهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي

• دمج الطائرات بدون طيار مع وحدات المشاة.

يتعامل التخطيط القتالي بشكل متزايد مع المعلومات والهيمنة التقنية كهدف أساسي في ساحة المعركة.

٢. المدن كساحات قتال متعددة الطبقات

لم تعد حرب المدن ثنائية الأبعاد. تعمل المدن كبيئات قتال متعددة الطبقات. أظهرت هذه النزاعات الرمزية الثلاثة قتالاً متزامناً عبر طبقات رأسية متعددة:

تحت الأرض

• أنظمة الأنفاق

• طرق الإمداد المخفية

• مخابئ القيادة.

 

على مستوى الشارع

• المتاريس

• الشراك الخداعية بالعبوات الناسفة البدائية الصنع (IEDs)

• مواقع الكمائن.

استخدام المباني كـ

• أعشاش للقناصة

• شقق محصنة

• دروع للتنقل بين الهياكل وفيما بينها.

المجال الجوي

• الطائرات بدون طيار التي تقوم بالاستطلاع والهجمات.

وفي الموصل، سمحت شبكات الأنفاق للمدافعين بالظهور خلف القوات المتقدمة. وفي حلب، تحرك المقاتلون بين المباني والممرات تحت الأرض لتجنب الاكتشاف. وفي غزة، غيرت الشبكات تحت الأرض بشكل جذري الطريقة التي يجب أن تعمل بها القوات.

العقيدة الناتجة هي أن الجيوش تعمل باستمرار على تطوير قدرات جديدة، وذلك باستخدام:

• وحدات الحرب تحت الأرض

• رسم خرائط ثلاثية الأبعاد للمدن

• أنظمة الاستطلاع الآلية

• أجهزة الاستشعار الحضرية وتقنيات رسم الخرائط.

يتعامل التخطيط لحرب المدن بشكل متزايد مع المدن على انها أنظمة قتال عمودية وليست تضاريس أفقية.

٣. النصر التكتيكي لا يساوي السيطرة على المدينة

لقد أرست حرب المدن في المنطقة مبدأً مفاده أن الاستيلاء على أراضٍ في مدينة لا يعني السيطرة الفعلية عليها. لقد كشفت المعارك الكبرى أن:

في الموصل، أُعلن تحرير المدينة، ومع ذلك استمرت تحديات إعادة الإعمار والحوكمة والأمن لسنوات.

في حلب، انتهت المعركة العسكرية، لكن تدمير البنية التحتية ونزوح السكان خلقا عدم استقرار طويل الأمد.

٣. الآثار الاجتماعية

وتنتج الحرب المدنية الآن ما يلي:

• نزوحاً جماعياً

• انهياراً في البنية التحتية

• فراغ في الحوكمة

وبما أن السيطرة على المباني لا تعادل السيطرة على الأشخاص، أو الخدمات، أو النظام السياسي، فإن المخططين العسكريين يدمجون بشكل متزايد ما يلي:

• عمليات تحقيق الاستقرار

• تخطيط الإدارة المدنية

• ترميم البنية التحتية

• تنسيق الشئوون الإنسانية

يشمل التخطيط للحرب المدنية الآن استراتيجيات الحوكمة في مرحلة ما بعد المعركة، لأنه بدونها تعود حالة عدم الاستقرار. تؤدي مثل هذه السيناريوهات إلى ظروف تُعرَّف ب الاحتلال في القانون الدولي. وهذه هي النقطة التي تتولى عندها عملية عسكرية (مثل الغزو) الإدارة المحلية.

إلى أين تتجه الحرب الحضرية

تشير الدروس المجتمعة إلى ساحة معركة حضرية مستقبلية تتسم بما يلي:

المراقبة المستمرة: مراقبة مستمرة من خلال الطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، والتحليل بالذكاء الاصطناعي.

القتال تحت الأرض: عقيدة مخصصة للقتال تحت المدن.

حرب الوحدات الصغيرة الموزعة: فرق صغيرة مستقلة بدلاً من التشكيلات الكبيرة.

قيود الكثافة المدنية: تحدث حروب المدن بين ملايين المدنيين، مما يخلق قيوداً لوجستية وإمكانية المسؤولية الجنائية الفردية.

البنية التحتية كتضاريس استراتيجية: تصبح شبكات الطاقة، وأنظمة المياه، والمستشفيات، وشبكات الاتصالات أهدافاً تشغيلية بالغة الاهمية.

تؤدي هذه الأمثلة إلى استنتاج أساسي مفاده أن حرب المدينة تتطور نحو قتال متعدد الطبقات، يعتمد على المعلومات، داخل المدن الكبرى، حيث السيطرة على البيانات، والفضاء تحت الأرض، والأنظمة المدنية أكثر أهمية من مجرد الاستيلاء على الأرض.

يعتقد العديد من الاستراتيجيين العسكريين الآن أن الحروب الكبرى في المستقبل ستُحسم في المدن الضخمة التي يتراوح عدد سكانها بين ١٠ و٣٠ مليون نسمة، وهذا يشكل تحولاً يغير التخطيط الدفاعي العالمي بشكل جذري. ويختبر هذا التطور أهمية وجدوى اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. وخضعت هذه الاتفاقية لعام ١٩٤٩ لمزيد من التطوير في عام ١٩٧٧ لتحديث قواعد الحرب من خلال (١) إرساء مبدأ التمييز؛ (٢) حماية وسائل البقاء (شرايين حياة المدنيين، مثل منشآت مياه الشرب، والمحاصيل، والغذاء)؛ (٣) تقييد الأهداف عالية الخطورة مثل السدود، والحواجز الصخرية، ومحطات الطاقة النووية؛ (٤) الحد من أسلحة معينة؛ و (٥) معالجة الظاهرة الناشئة المتمثلة في مشاركة الجهات الفاعلة غير الحكومية في العمليات العسكرية والحروب الأهلية.

قد تؤدي الدروس المحددة المستفادة من حرب المدن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى ظهورتفكير جديد للبروتوكولات المستقبلية لمعالجة مواضيع إضافية وسد الثغرات القانونية. ومن المرجح أن تشمل الإهلاك السكني، والأسلحة الفتاكة المستقلة، والحرب السيبرانية، ومشكلة الصندوق الأسود، حيث يُطلب من القادة العسكريين قانونياً خاصة عند استخدام الأسلحة المستقلة، إجراء تقييم للتناسب (موازنة الضرر المدني مقابل الميزة العسكرية) قبل الضربة.

ومن بين جميع الدروس المستفادة من الحروب الإقليمية، لم يسفر منها حتى الآن انتصاف وجبر للضحايا المدنيين، في حين يبلغ عدد أولئك الذين ينتظرون استحقاقاتهم الآن أكثر من ٥٤ مليون نسمة.

 

الصورة: جنود خلال مناورات حربية في منشأة تدريب إسرائيلية على حرب المدن. المصدر: النقيب غريغوري والش، الجيش الأمريكي.


Back
 

All rights reserved to HIC-HLRN