English عن التحالف اتصل بنا العدد 35 تموز / يوليو 2026 الرئيسسة
تطورات اقليمية

العدالة، الأساس في إعادة الإعمار

بالنظر إلى بُعد التخطيط الحضري في إعادة الإعمار، ولا سيما فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية والسياسية والحقوقية، الأوسع نطاقاً على شعوب المنطقة العربية. تشكل الحاجة إلى إعادة الإعمار أولوية إقليمية مشتركة ونهجاً أساسياً قائم على حقوق الإنسان لتحقيق التنمية المستدامة.

فإعادة الإعمار هي استجابة في مرحلة متقدمة لآثار الكوارث الطبيعية، أو التي من صنع الإنسان، أو التي تفاقمت بسبب الإنسان. وهي تتبع المراحل السابقة من الإنقاذ والإغاثة والتعافي المبكر في الطريق نحو التنمية المستدامة في نهاية المطاف، وما يقابل ذلك من التزام الدول لضمان التحسين المستمر للظروف المعيشية. ويوفر هذا التقدم خصوصية للوفاء بحق الانسان في الانتصاف، والذي تكون التزامات الدولة المقابلة له، وكما هو الحال مع جميع حقوق الإنسان، فردية وجماعية (مع الأطراف الأخرى في المعاهدة) ومحلية وخارجية في نطاقها في آن واحد.

وينظم البعد الاخير من هذه الابعاد، أداء كل دولة وأجهزتها عبر الحدود. وتدعو الالتزامات المرتبطة بها جميع الدول بوضوح، إلى الانخراط في التعاون والمساعدة الدولية. ومع ذلك، فإن هذه المجالات من الواجبات تنشأ عن كل حق من حقوق الانسان، وليس أقلها حق الانسان في الانتصاف.

النظرية

كما هو الحال في أي مهمة معقدة، فمن الضروري الحصول على  النظرية الصحيحة. وتتناسب مفاهيم النظرية الراسخة لإعادة الإعمار، والأطر المعيارية، وأفضل الممارسات القائمة منذ فترة طويلة مع الظروف الضرورية لكل من النظام المحلي والعالمي القائم على القواعد. مثلها مثل أدوات الحكم الأخرى، فإن التزامات حقوق الإنسان ليست مجرد إلزامات قانونية أو أخلاقية للدولة، بل هي متطلبات عملية للغاية لتماسك أي نظام للإدارة العام، تمنعه من الانهيار إلى الفساد والحرمان والعنف.

كما هو الحال في أي ترتيب تعاقدي، تمتد الالتزامات القانونية للدولة باعتبارها صاحب الواجب الأساسي، إلى أطراف ثالثة، كما يحدث في حالة أي عقد فرعي أو أي شكل آخر من أشكال التبعية. لذلك، تنطبق معايير حقوق الإنسان والمعايير الدولية الأخرى ذات الصلة على جميع الجهات الفاعلة المشاركة في العملية، والتي تشمل جميع أجهزة الدولة، بما فيها الحكومة المحلية، والجهات المهنية المقيمين مثل القطاع الخاص، والكيانات المؤسسية التجارية، ولاسيما المهنيين المنخرطين في التخطيط الحضري.

وفي جميع الكوارث، بما في ذلك الأزمات الممتدة، ينبغي أن يتوافق النهج الإغاثي الطارئ العلاجي القصير المدى مع النهج طويل الأمد، لتطوير وبناء المؤسسات، لتشكيل التناسق بين السياسات في إطار التزامات حقوق الإنسان، بوظائفها الوقائية والانتصافية المزدوجة. وينعكس هذا الاكتشاف المستند إلى خبرة طويلة في إطار العمل للأمن الغذائي والتغذية في الأزمات الممتدة 2015 (FFA)، فضلا عن نتائج القمة الانسانية العالمية لعام 2016.

تآكل المعيار

هذا البناء أو المفهوم القائم على القواعد يحل محل الترابط الثلاثي (Triple Nexus)، ذلك البناء الأقل قيمة ولكنه الأكثر رواجاً، والمتمثل في الإنسانية والتنمية والسلام، والتي سارعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المكونة من ٣٧ دولة ثرية، إلى فرضها على الصيغة العالمية القائمة بالفعل في عام 2016، والتي أقرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بشكل تلقائي في عام 2019، على الرغم من مقاصد ميثاق الأمم المتحدة والنزاهة التي تم التعهد بها مراراً وتكراراً في نظام التنمية ما بعد عام 2015، وإعلان فيينا، وتفويض مجلس الأمن لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) للتنسيق بين الوكالات والتي تعاني الآن من نقص التمويل بشكل متزايد. فإن الترابط الثلاثي غير مناسب للغرض – وعلى افتراض أن الغرض هو الانتصاف، بما في ذلك عدم تكرار الآثار الضارة– لأن العنصرين الأولين من تلك الثلاثية يمثلان عمليات واعية ومدروسة، في حين أن العنصر الثالث الذي يبدو منيعاً وصعبا للنقاش وهو (السلام) ليس سوى نتيجة للاحترام العالمي والحماية والإعمال لحقوق الإنسان، وهو عنصر غير معترف به صراحة. وهذا النهج الترابطي الثلاثي، يصرف الانتباه عن المكون الجوهري في معادلة الانتصاف التي يزعم أنه يسعى إليها.

قابلية التطبيق

التناسق بين السياسات كما تم تعريفه سابقاً، يتوافق بسلاسة مع الركائز الثلاث الأساسية ومقاصد الجوهرية لميثاق الأمم المتحدة، وهي (١)صون السلام والأمن، و(٢) حماية حقوق الإنسان، و(٣) تحقيق التنمية المستدامة (أي ما يُسمى التنمية المستقبليه وفق المعنى الحضاري). ومن ثم فإن النسخة القائمة على الميثاق والتناسق بين السياسات تنطبق على جميع الدول، وبالتبعية، على جميع أجهزتها، وأجزائها المكونة، والجهات الفاعلة المقيمة فيها. ولغرض إعادة الإعمار، فإن هذه الأخلاقيات المهنية، كأدوات عملية، هي أدوات التجارة ذاتها لمخططي المدن وجماعاتهم.

تفاصيل هذه المعايير تجدها منصوص عليها في الصكوك القانونية، والأدبيات الموثوقة، والإرشادات التقنية. فنحن لا نبتكرها، بل تم اكتشافها منذ أجيال، مثل المعادلة الكونية ٢+٢=٤، وقوانين الفيزياء، أو قانون الجاذبية الأرضية، الذي اكتشفه ابن الهيثم قبل ٦٠٠ عام، قبل مفسر وواضع قانون الجاذبية السير إسحاق نيوتن.

عدم التنفيذ

لقد ذكّرنا ابن خلدون، أحد حكمائنا، بالمبدأ الراسخ العدل أساس العمران، لكي لا ننسى اكتشافاته التي مضى عليها ٧٠٠ عام. ولإضفاء مزيد من الخصوصية على هذا القول المأثور، فقد طور المجتمع الدولي معايير الانتصاف وجبر الأضرار، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قبل عشرين عاماً بالضبط من هذا العام، بعد مداولات مستفيضة استمرت ٣٠ عاماً عبر لجنة حقوق الإنسان. ويحدد ذلك المعيار، المنصوص عليه في القرار A/RES/60/147، تلك الاستحقاقات غير القابلة للتجزئة، لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والخروقات في القانون الإنساني الدولي.

ونظراً للدروس المستفادة من الآف السنين التي تصب في مصلحتنا، فإن بُعد التخطيط الحضري لأي خطة مسؤولة لإعادة الإعمار، لا يُكتب لها أن تنجح إلا إذا ارتكزت على هذا الأساس المعياري. وفي وقت مبكر من القرن السادس قبل الميلاد، ومع إعادة البناء بعد الدمار الناجم عن الصراع والاحتلال والحرب ونقل السكان على يد الآشوريين الجدد، أصدر كورش الكبير أول ميثاق لحقوق الإنسان لتوجيه عملية إعادة الإعمار. وتجدون أسطوانة كورش قد دونت حقوق العودة؛ واستعادة السكن والأرض والممتلكات (HLP)؛ وحرية التنقل؛ وحرية الدين والضمير؛ وواجب الدولة الفارسية في احترام تلك الحقوق وحمايتها وإعمالها، من بين أمور أخرى.

وبينما مثل هذه التدابير قد عالجت تلك الأضرار القديمة التي لحقت بالضحايا في العصور القديمة، تعتبر المحاكمات العسكرية الدولية في كل من نورمبرغ وطوكيو بعد الحر بالعالمية الثانية،  هي أقرب ذاكرة حية لمواجهة مثل هذه الانتهاكات الجسيمة والمتكررة. لكن حتى تلك المحاكمات لم تقدم، أو حتى تسعى إلى تحقيق الانتصاف لضحايا النازية؛ حيث سعت فقط إلى مساءلة الجناة. وذهب الوعد الخاص بـلن يتكرر أبداً في أدراج الرياح، ولم يوفر الحماية للضحايا من البوسنيين؛ أو التوتسي؛ أو الروهينغيا؛ أو شعوب المساليت، والزغاوة، والفور؛ أو الفلسطينيين طوال معظم القرن الذي تلا ذلك.

إعادة تعلم الدروس

إن الخطط المتعاقبة لتوفير الانتصاف، وإعادة الإعمار لفلسطين منذ بدء التدمير الصهيوني، لها قيمة بالغة وإرشادية، ولو بسبب إغفالها حقوق الفلسطينيين في جبر الضرر. ومن خلال ٣١ خطة لإعادة إعمار ومنشورة منذ عام ١٩٩٦، يبدو أن انعدام الاتساق الهيكلي ظاهرة معدية. هناك ثلاثة فقط من تلك الخطط، تذكربالسعي لحقهم في جبر الضرر، بما في ذلك خطط الأمم المتحدة، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، على الرغم من دعوات الخبراء الإقليميين.

وفي مختلف أنحاء الإقليم، هناك 54 مليون شخص عربي يعانون من التشريد المستمر ونزع الملكية، بالإضافة إلى الـ 3.2 مليون إيراني نزحوا حديثاً بسبب الحرب، ويستحقون لجبر الضرر عن الحرمان الذي لحق بهم، وفي مقدمتها استرداد مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم (HLP) ومواردهم الطبيعية، فضلاً عن الخسائر والأضرار غير الاقتصادية (NELD). ويبرز هذا التحدي الانتصافي والردعي – الخطير جداً في المنطقة العربية –أهمية تفعيل التزامات الدولة المتعلقة بالانتصاف وإعادة الإعمار للأسر المشردة، بالإضافة إلى البنية التحتية الاقتصادية والمدنية العامة والخاصة التي تحتاج إلى إعادة الإعمار.

ينبغي لنا أيضاً أن نحترز أن هدف التنمية المستدامة 11 (SDG 11) مقروءاً بالاقتران مع الفقرة 35 من خطة 2030. وتحدد هذه الالتزامات العالمية موقع التخطيط الحضري، وإعادة الإعمار، وواجب إنهاء النزاعات والاحتلال، دون الاشارة صراحة الى قضية فلسطين أو الصحراء الغربية. ومع ذلك، ينبغي أن تستغل مداولات خطة ما بعد 2030 مثل هذه التناقضات الواضحة كما هو الحال في غرب آسيا وشمال أفريقيا.

واستلهاماً من الدروس المستفادة من إخفاقات إعادة الإعمار بعد كارثة تسونامي في آسيا عام 2004، أنتجت شبكة حقوق الأرض والسكن (HLRN)  مجموعة من معايير إعادة الإعمار المعلنة والملزمة منذ فترة طويلة، والتي تشكل دليلاً متسقاً لا غنى عنه للممارسين. وفي حين تظل هذه المعايير سارية وقابلة للتطبيق، فقد أظهر العقدين التاليين أكتشاف معايير لاحقة جرى تدوينها تدريجياً، مما  أبرز ضرورة الحاجة إلى التخطيط الحضري وإعادة الإعمار ضروريان لدعم نظام الدولة الشرعي.

كما لم تتناول المشاورات الإقليمية العربية للمنظمة الدولية للهجرة (IOM) ، ولا مسارات عمل الجامعة العربية المتعلقة باللاجئين والهجرة، مسألة استرداد السكن والأرض والممتلكات (HLP) حتى الآن. لكن مبادئ بينيرو والتي مضى عليها 20 عاماً، والدليل العملي التي أصدرته الأمم المتحدة في العام الماضي لتطبيق تلك المبادئ في الإقليم، إضافة إلى المبادئ التوجيهية المعنية بإعادة الإعمار التي وضعها المقرر الخاص للأمم المتحدة والتعليقات القانونية، تعيد التأكيد على المعايير التي يجب تطبيقها وتحديثها.

لأجل خطة مستدامة لإعادة الإعمار، فيتوجب على كافة الأطراف الفاعلة الإلتزام بإعطاء الأولوية لسبل الانتصاف وجبر الضرر للضحايا الذين هم في حاجة ماسة إلى خطة إغاثية متسقة مع السياسات، والتعافي المبكر، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة. فالتخطيط الحضري يعمل عبر جميع هذه المراحل، وقد يعتمد إنقاذ الحضارة على الانطلاق من هذا الأساس المعياري السليم والعريق.

الصورة: تظهر مبنى مدمر في مدينة غزة يرفرف عليه العلم الوطني الفلسطيني. المصدر: محمد سالم/رويترز.


Back
 

All rights reserved to HIC-HLRN