English عن التحالف اتصل بنا العدد 17- مارس 2019 الرئيسسة
تطورات اقليمية

الألغام الأرضية على حساب مستقبل اليمن

مع سطوع شمس يوم الـ 28 مارس 2018 تكون الحرب التى أعلنها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية على اليمن قد أكملت عامها الرابع، وابتدء من يوم 29  مارس/آيار يبدأ عام جديد خامس للحرب.

لقد جاء إعلان الحرب على اليمن بعد أن تمكن الحوثي من اسقاط النظام القائم ائنذاك، برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والاستيلاء على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، ثم اجتياح بقية المدن جنوبا حتى وصلت ميليشا الحوثي، إلى الميناء التاريخي والعاصمة الاقتصادية عدن، في نهاية عام 2014.

لكن الحوثي لم يتمكن من البقاء طويلا، فقد اضطر للانسحاب من عدن وبقية المحافظات الجنوبية، بعد أن مُنى بهزيمة ساحقة على أيدي الجيش الوطني و المقاومة الشعبية المسنودة مادياً وعسكرياً من قوات التحالف العربي. وبالرغم من أن الحوثي غادر معظم المناطق الجنوبية، وبعض المناطق الشمالية إلا أنه ترك ورائه مخلفات عسكرية قاتلة، تحصد آلاف الناس الابرياء، وخاصة الأطفال والنساء، وهي الألغام.

تعد اليمن من الدول التى صادقت على معاهدة أوتاوه لحظر استعمال وتداول وتجارة الألغام في عام 1997، ووقعت عليها اليمن في مايو/آذار 1998 وبذلك يكون أي استعمال لهذا النوع من الأسلحة، انتهاك للمعاهدات الدولية والقوانين الإنسانية، ولكن للأسف الشديد لم يلتزم الحوثي بهذه المعاهدة مطلقا، بل إن الألغام تعد جزء مهم من ترسانته العسكرية، التى دمر بها اليمن وتسبب في عدد كبير من الضحايا في أوساط المدنيين.

وعلى الرغم أن الحوثي يؤكد أنه لا يزرع الألغام إلا في المناطق العسكرية، لإعاقة تحركات الجيش الوطني وقوات التحالف البرية، إلا أن معظم الألغام التى تم نزعها، وتلك التى انفجرت في المواطنين الابرياء، تؤكد أن الألغام التى تمت زراعتها في المناطق المدنية، أكبر بكثير من تلك التى تم زرعتها في مناطق القتال، فقد قتل عدد كبير من الأطفال والنساء بعد عودتهم من مناطق النزوح الى بيوتهم، ليجدوا أن بيوتهم وحقولهم وطرقاتهم، وآبار مياههم ومراعيهم قد اصبحت ملغومة. وبفعل تلك الألغام سقط مئات الضحايا. 

من ضمن 22 محافظة يمنية زرعت قوات الحوثي الألغام في 17 محافظة على الأقل وهي صعدة في أقصي الشمال، وعمران، وحجة، وصنعاء، وريمة، ومأرب، والجوف، وذمار، وإب، والحديدة، وتعز، والبيضاء، ولحج، وشبوة، وإبين، حتى عدن في أقصى الجنوب. 

تعد محافظتي الحديدة وتعز، من أكثر المحافظات التى زرع فيها الحوثي الألغام، إلى درجة إن بعض المناطق لم تعد صالحة للعيش عليها، ولم يعد بإمكان سكانها النازحين عنها، العودة اليها لأنها تحولت إلى حقول ممتدة لمسافات طويلة مزروعة بالألغام، وفي بعض المناطق التى جازف بعض سكانها بالعودة،  تحولوا إلى ضحايا للألغام الحوثية، مثل مناطق التحيتا وحيس واللحية، وباجل في محافظة الحديدة.

مع كل انسحاب لميلشيا الحوثي من أي منطقة من المناطق التى اجتاحها، سواء في الجنوب أو في المناطق الشرقية، والشمالية، كان يترك الأرض وراءه ملغومة بآلاف الألغام المختلفة، سواء الألغام المضادة للأفراد أو المضادة للعربات أو المدرعات. ولم يقتصر الأمر على زراعة اليابسة بالآف الألغام، ولكن الحوثي لغم المناطق الساحلية وبعص الأجزء من البحر الاحمر، والمحيط الهندي، بمئات الآلاف من الألغام البحرية، وخاصة الحديده وتعز وعدن وابين، حيث زرع الحوثي الالغام على طول السواحل الممتده من الحديدة  غربا حتى عدن جنوبا. وقد سببت هذه الالغام البحرية خسائر بشرية فادحة في اوساط الصيادين الذين فقد بعضهم حياته والبعص الاخر فقد حياته ومركب الصيد الذي يمثل مصدر دخلة الوحيد.

ساهمت الالغام البحرية في تهديد التجارة الدولية لان الحوثي زرع عدد كبير منها بالقرب من مضيق باب المندب وهو ممر تجاري دولي مهم للغاية وقد ادي هذا التهديد المباشر للملاحة البحرية  الدولية الى زيادة حدة الفقر في اليمن بسبب ارتفاع قيمة التأمين على السفن التجارية مما تسبب في رفع الاسعار بشكل جنوني، وهذا بدوره ادى الى عجز المواطنين الابرياء عن شراء المواد الغذائية والطبية اللازمة مما فاقم من حدة المجاعات والامراض والاوبئة القاتلة، كالكوليرا وحمى الضنك وانفلونزا الخنازير.

بحسب احدى اهم الاحصائيات التى قدمها مشروع مسام لنزع الالغام من اليمن والتى تأسست في يونيو 2018 ضمن برنامج  الملك سلمان للاغاثة في اليمن فأن الحوثي قد زرع حوالي مليون لغم في اليمن، وفي كل المناطق التى وصلت اليها قوات الميليشا  التابعة له. وفي  تصريحات لمدير مشروع مسام الدكتور اسامة القصيبي ان  تعد اليمن اكبر دولة ملغومة في العالم  منذ الحرب العالمية  الثانية.  وقد خصص المشروع حولي 40 مليون دولار من اجل نزع الالغام من اليمن . ولكن  بسبب كثافة وجحم الالغام في اليمن  فـأن هذا المبلغ لن يكون  كافيا مطلقا.

وبالرغم عدم وجود احصائيات دقيقة عن ضحايا الالغام لصعوبه الوصول الى كافة المناطق التى شهدت معارك مع  قوات ميليشا الحوثي الا ان منظمة مسام ذكرت ان عدد القتلى  وصل الى حوالي 900 قتيل وحوالي عشرة  الاف جريح، معظمهم من الاطفال والنساء الذين يعملون في الحقول الزراعية والرعي والاحتطاب

استخدم الحوثي كميات كبيرة من الالغام  التى استولى عليها من مخازن الجيش اليمني بعد ان اسقط  الدولة في 21 سبتمبر 2014، ولم يكتف بتلك الالغام الجاهزه، ولكنه صنع الغام جديدة  وبمساعدة خبرات اجنبيه قد تكون ايرانية على الارجح. وفي احد برامج قناة المسيرة  التى تتبع ميليشا الحوثي عرضت القناة  ما اسمته الصناعات العسكرية وكان من ضمن ما عرضته قيام مليشيا الحوثي بتصنيع الالغام الى جانب الطائرات بدون طيار  وبعض قطع الاسلحة الخفيفة.

ولكي تحدث ميليشا الحوثي اكبر قدر من الخسائر بين الابرياء  فقد عمدت الى تصنيع  الالغام بشكل مموه بحيث يصعب على الناس التعرف عليها وخاصة الاطفال وبالتالي وقع عدد كبير منه في الفخ، فعلى سبيل المثال صنع الحوثي الاف الالغام على شكل صخورمختلفة الالوان، كالون الابيض والاسمر والاسود والبني  بحيث تناسب البيئة التى توضع فيها وبالتالي لا ينتبه لها المارة فيقعوا ضحية لها. كما وضع الحوثي مواد متفجرة داخل بعض العاب الاطفال او مواد البنا وغيرها، وقد قتل عشرات الاشخاص بسبب تمويه الالغام والمتفجرات كما جراح المئات منهم  بجراح خطيرة.

مئات الاطفال والنساء والرجال ذهبوا ضحية للالغام الارضية والمائية، البعض منهم قتل والبعض الاخر فقد اطرافه سواء الاطراف العلوية او السفليه او كلايهما، كما اصيب عدد اخر بتشوهات جسدية كثيرة وخطيرة كاصابات الوجوه وفقدان العيون وتشوه الفك وفقدان الاسنان. وعلاوة على ذلك اصبح اكثر الضحايا مصابين بحالات نفسية مدمرة بعد فقدان اطرافهم وتشوه اجسادهم مع الغياب التام للرعاية الصحية وتفاقم حالة الفقر والعوز التى يعانيها سكان  تلك المناطق.

كثير من ضحايا الالغام في المناطق النائية يفتقدوا لابسط مقاومات الرعاية الصحية، كما ان ورشات الاطراف الصناعيه تعاني كثيرا من  الضغط الشديد عليها وقلة الامكانيات لتقديم بعص المساعدات لضحايا الالغام. التاهيل النفسي منعدم  تماما  وجميع الضحايا يفقدوا الامل يوما بعد يوم وبعضهم يحاول الانتحار لانهاء الألم. 

ومما يفاقم مشكلة الالغام في اليمن هي ان ميليشا الحوثي تزرعها عشوائيا وفي كل مكان وبدون خرائط او بيانات يمكن الاستدلال على مواقعها ومحاولة نزعها وتنظيف المدن والاراضي منها. وتعتمد ميلشيا الحوثي على الاطفال الصغار الذين جندتهم من المناطق القبلية الفقيرة لزرع تلك الالغام، لذلك يزرعوها بشكل عشوائي وبدون خرائط، بل ان بعض  المجندين من الاطفال الذين يزرعون الالغام،ونظرا لقلة خبرتهم يذهبوا ضحية لتلك الالغام.  ولذلك فأن عدد ضحايا الالغام يزداد يوما بعد يوم وبشكل خطير للغاية.  وبالرغم من التزايد المستمر لعدد ضحايا الالغام من المدنيين فأن الحوثي مستمر في زراعتها في مختلف الاماكن كالبيوت والشوارع والحقول ومراكز التسوق وحتى في الطرقات العامة وفي الجبال الوديان  وهذا الامر زاد من صعوبه  الوصول الى تلك الالغام  ويجعل من كل انسان ضحية محتمله لها.  وهو ما دفع  رئيس قسم الاسلحة في منظمة هيومن رايتش ووتش السيد ستِيف غوس (Steve Goose) الى التصريح بان الحوثي لم يكن يستهدف بالاستخدام  المكثف للالغام اعاقة حركة الجيش الوطني والمقاومة الشعبية ولكن كان من قسوة بالغة ويستهدف ارهاب اليمنيين وترويعهم بحيث لا يجرى احد على مقاومته.

خلال الجلسة الاربعين  لمجلس حقوق الانسان في جنيف قدمت ورقة عمل الى المجلس حول مخاطر الالغام  في اليمن وطالبت من رئاسة المجلس اعتبار عملية زرع الالغام جريمة ضد الانسانية وانتهاك صارخ لحق الانسان في الحياة  الكريمة الخالية من منغصات الاعاقات، وبما ان الحوثي يزرع  الالغام بكثافة  فانه يعتبر منتهك  لحقوق الانسان وللقانون الدولي بالتالي ينبغي تشكيل لجنه محايدة لتحقيق في جرائم زراعة الالغام وتقديم الادلة الكافية  للمحكمة الجنائية الدوليه لكي تحاكم  الحوثي كمجرم حرب باعتبار استخدام هذا النوع من الاسلاحه ضد مدنيين واماكن  موسسات مدنية يعد جريمة حرب يستحق مرتكبها اشد العقوبات المنصوص عليها في القانون الدولي.

للاسف الشديد لا يزال المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الفاعلة في مجال حقوق الانسان تتجاهل مـأسي اليمن بشكل عام ومشكلة الالغام بشكل خاص. فالى الان  لم يضعط مبعوث الامين العام للامم المتحدة الى اليمن، على سبيل المثال، على ميليشيا الحوثي الايقاف استعمال الالغام في اليمن، كما لا لم تصدر اي منظمة دولية اي بيان ادانة ضد الحوثي بسبب استخدامة للالغام المحرمة دوليا. وباستثناء تصريح بسيط لمدير قسم الاسلحة في منظمة هيومن رايتس واتش بان استعمال الالغام هو من جل ترويع اليمنين، ولا يوجد اي تصريح  اخر او اي اجراء عملي يوقف او على الاقل يحد من استعمال الحوثي لهذه الانواع الخطيرة  من الاسلحة، التى سوف يستمر مفعولها على مدى عقود طويلة مقبلة، حتى بعد انتهاء الحرب، وسوف تشكل تهديدا  خطيرا و مستمرا لعقود طويلة ، بل ربما  قد تستمر لقرون،  على حياة اجيال جديده من اليمنيين الذين سيكونوا ضحايا لحرب لم يشهدوها.  

 

الصورة على الصفحة الرئيسية: المتمردون الحوثيون يزرعون الألغام الأرضية المحظورة في منطقة ريفية في اليمن. المصدر: picture-alliance/dpa/STR. الصورة على هذه الصفحة: ضاحية من تفجير ألغام مزرعة من قبل الحوثي في اليمن. ألمصدر: أروى ختابي.


Back
 

All rights reserved to HIC-HLRN