English عن التحالف اتصل بنا العدد 28- نيسان / ابريل 2023 الرئيسسة
تطورات اقليمية

حقوق الأرض التي مزقتها الحرب في اليمن

يتيعن على الدول أن تتحمل التزاماتها الحقوقية في كافة الظروف والأحوال، حتى في أثناء حالة الطوارئ والأزمات، ومنها حالة الحرب الأهلية. وقد جسدت اليمن هذا المبدأ، حين كانت تحت الاستعراض الدوري الثالث، لتقييم مدى تنفيذ العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR). وقد قدمت بالفعل تلك الدولة الطرف تقريرها، إلى اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصاية والاجتماعية والثقافية (CESCR)، في مارس/آذار 2014، بسنة واحدة قبل حدوث التمرد الحوثي والاستيلاء على العاصمة صنعاء. وفي خضم التأخيرات بسبب الصراع الدائر، استمرت عملية المراجعة خلال جلسة اللجنة في فبراير/ شباط 2023.

وتعد هذه الدورة الأخيرة للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي أول دورة منعقدة بعد اقرار اللجنة، التعليق العام (26) المعني بالأرض والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في ديسمبر/كانون الأول 2022. كما عكست الملاحظات الختامية من استعراض اليمن، الدور الذي يلعبه مورد الأرض في حالات الصراع، وعواقبها على التمتع بحقوق الإنسان.

وقد ساهم في استعراض اليمن تحت العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التحالف الدولي للموئل – شبكة حقوق الأرض والسكن، بتقديم تقرير مشترك موازي، إلى لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في دورتها 73، التي عقدت في الفترة من (13 فبراير/شباط - 3 مارس/آذار 2023)، مع ثلاثة من أعضاء التحالف الدولي من اليمن وهم (منظمة كل الشباب، المركز اليمني لقياس الرأي العام، والمنتدى الاجتماعي الديمقراطي). 

وقد تناول التقرير الموازي المشترك، أربعة محاور رئيسية، للرد على قائمة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة اليمنية، من قبل اللجنة والصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، والتي ردت عليها الحكومة اليمنية في ديسمبر/ كانون الأول 2022، تضمنت (1) تقييماً للأوضاع المتعلقة بالمساعدات الدولية؛ (2) واستغلال قضية الأشخاص النازحين داخلياً؛ (3) قضة عدم التمييز، وخاصة مجتمعات المهمشين والتي غالبيتهم من الأشخاص النازحين داخلياً؛ (4) قضية تقييم مدى تاثر إعمال الحق في مستوى معيشي لائق، في ظل استمرار الأسباب الجذرية للصراع في اليمن.

وفيما يتعلق بالمساعدات الدولية، فقد ذكر التقرير المشترك بأن خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، والتي تعد من أسواء الأزمات الإنسانية في العالم، قد بلغت في الفترة من 2015-2022، ما يقرب من 15.3 مليار دولار، لتوفير المساعدات لأكثر من 23.4 مليون شخص حتى عام 2022 وهو ما يقرب من 80% من إجمالي عدد السكان، إلا أنه لايزال هناك نقص شديد في توفير الموارد لتلبية الاحتياجات الإنسانية الحادة والمتنامية، خاصة مع استمرار الأطراف المتحاربة في تدمير البنية التحتية في اليمن، ووضعها لعوائق تحول دون توزيع المساعدات الإنسانية وفقاً للاحتياجات الفعلية وذات الألولية بالنسبة للمجتمعات المحلية المتضررة من الصراع، فضلا عن أن القدرات الموجودة في اليمن ليست مجهزة للتعامل مع الاحتياجات الآخذة في التطور.  

وقد أوصى التقرير المشترك، بأن عملية الاستجابة الإنسانية يجب أن تكون متزامنه مع نهج تنموي لإصلاح مؤسسات الدولة المتضررة من الصراع، لوقف تسرب المساعدات الإنسانية والموجهة إلى الشعب اليمني، وإساءة استخدامها بسبب الفساد وعدم تطبيق معايير موحدة.

أما فيما يتعلق بقضية إستغلال أزمة النازحين داخلياً، فقد ذكر التقرير المشترك أنهم لا يزال يعانون تحديات متعددة، وأن 25% من الأسر النازحة داخلياً قد أجبرت على النزوح مرة أخرى خلال الست سنوات الماضية نتيجة الصراع، مع تنامي عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة ومعرضين لتهديد الأمن الغذائي، والذي بلغ عددهم 161 ألف، في منتصف عام 2022. وأن ثلاثة أرباع سكان اليمن يعتمدون على المساعدات الإنسانية والحماية في عام 2022، فضلا عن أن النساء والأطفال يشكلون 75% من عدد النازحين.

وقد تم تحويل المساعدات الإنسانية الموجهة لضحايا الحرب إلى المصلحة الذاتية والطموح السياسي وإفلات أطراف متعددة من العقاب، خاصة تحويل المساعدات لفئات معينة دون غيرها، خاصة في معسكرات النازحين بمدينة عدن، حيث يتم تسخير كل الدعم الحكومي الذي يأتي من موارد عدن، لدعم النازحين القادمين من تعز وتهامة، في حين يتم إهمال احتياجات النازحين من مدينة مكيراس الجنوبية، وسيطرة بعض المتنفذين على المساعدات الغذائية وبيعها لمواطنين يمنيين غير نازحين.

وهناك مزاعم من أن ملف اللاجئين في الجنوب، يتم استغلاله، من أجل إحداث تغير ديمغرافي في التركيبة السكانية، خاصة  وأن هاك الآلاف من النازحين اليمنيين يتمركزون في أحياء وضواحي العاصمة عدن، فضلا عن محافظة  لحج التي تضم أربعة مخيمات للنزوج المشقافة، الرجاع،الفيوش، الرباط. وهناك تخوف من الجنوبيين، من أن تظل هذه المعسكرات سرية كمجمع لتجنيد المرتزقة لتنفيذ هجمات إرهابية داخل عدن أو لحج. ومن جهة أخرى يعاني اليمن من موجة مهاجرين من القرن الإفريقي، يحاولون الدخول إلى دول الخليج عن طريق اليمن، حيث بلغ عدد المهاجرين الأفارقة في النصف الأول من العام 2022، إلى 400,000 مهاجر.

أما فيما يتعلق بمسألة عدم التمييز، فقد سلط التقرير المواي الضوء على أزمة مجتمع المهمشين، أو ما يطلق عليهم الأخدام، وهم من أكثر الأقليات حرماناً وتهميشاً في العالم التي تتعرض للتمييز على أساس الأصل وفي العمل، وكذلك غيرهم من الأقليات الأخرى من البهائيين والإسماعيليين والمسيحيين، الذين حُرموا جميعًا من حقهم في العيش كمواطنين متساوين في الأرض التي ولدوا فيها، بسبب التمييز الممنهج، وعدم وجود تدابير حماية من قبل مؤسسات الدولة. كما لا توجد تدابير من مؤسسات الدولة لجمع وتوليد بيانات رسمية عامة أو مجتمعية موثوقة، عن الفئات المهمشة والمحرومة في اليمن، ولا لتقييم الاحتياجات الإنسانية لهم في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب اليمني، على الرغم من أن الفئات المهمشة 10٪ من سكان اليمن، أي 3.5 مليون شخص وفقاً لأخر التقديرات المتاحة.

وحذر التقرير من أن مؤسسات الدولة قد تخلت عن التزاماتها في احترام حقوق الأقليات والمهمشين، أو حمايتها أو إعمالها والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وعدم إمتلاك أفراد مجتمع المهمشين وثائق مدنية قانونية، مما يعرضهم لانتهاكات مثل الإخلاء من أماكن إقامة دون المستوى، أو من الأرض التي يعيشون عليها، فضلا عن تجنديهم قسرياً من قبل جميع أطراف النزاع المستمر.

وقد أشار التقرير المشترك، إلى أنه لا الحكومة الشرعية المعترف بها ولا سلطات الميليشيات المسلحة للحوثيين، في القيام بأي دور في مكافحة التمييز ضد الفئات المحرومة والمهمشة في اليمن. لم يعملوا على إعادة تأهيلهم، ولم يقدموا لهم أي مساعدة من شأنها أن تعمل على إدماجهم وجبر الضرر. وسلط التقرير الضوء بشكل خاص على أوضاع المرأة من مجتمع المهمشين، عرضة لانتهاك حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من غيرهن، كونهم نساء ومن مجتمع المهمشين، يواجهون حالات من العنف الجنسي، والمضايقة وتصل إلى حد اغتصابهم وقتلهم، خاصة عند الحواجز التي يقيمها الميليشيات المسلحة.

كما تناول التقرير المشترك، الأسباب الجذرية للصراع، والمتعلقة بالسياسات والأعراف القبلية التميزية، ومنها إهمال التوصيات الصادرة عن لجنة المصالحة الوطنية، فيما يتعلق بإدماج كافة فئات المجتمع اليمني، وخاصة مجتمع المهمشين، للمشاركة في عملية التنمية، وإغفال ذلك في الدستور الجديد في 2015، على غرار الحصة التي تم إقرارها للنساء والشباب. وكذلك قضية النزاع على الأراضي، وسوء إدارتها، عدم وجود عملية للفصل في القضايا تتسم بحسن الأداء والشفافية، والتي لا تزال ظاهرة معقدة، لما تضمنه من عواقب طويلة الأجل وذات آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة النطاق، أعاقت التنمية بشكل كبير، وتسببت في إنتهاكات جسيمة لحقوق المواطنين اليمنيين في الأرض. فضلا عن أن انعدام الإرادة السياسية الحقيقية في مواجهة الفساد في حيازة الأراضي، يساهم في تفاقم النزاعات، بدلاً من المساهمة في حلها.

ولذلك كان من أهم التوصيات التي ركز عليها التقرير المشترك، إنشاء مرصد للأراضي، يقوم فيه المجتمع المدني بدور رئيسي، في تطوير ودعم رؤية تحقق العدالة التصالحية، بعيدا عن المصالح والمواءمات السياسية والقبلية، والمساهمة في بنا ءالسلام على مستوى المجتمعات المحلية، إنتاج المعرفة والبيانات الحيوية على قدم المساواة مع الآخرين لتقديم المشورة للآليات اللازمة ، بما في ذلك خلفاء لجان الحوار الوطني. وكذلك ضرورة وضع منهجية لتحديد كمي للخسائر والأضرار، التي تكبدها النازحون داخلياً، وضمان تحقيق العدالة والإنصاف للضحايا انتهاكات الأرض والسكن نتيجة حالة الصراع الدائر، بما فيهم ضحايا حرب الوحدة 1994، وتجاوزات نظم الحكم السابقة.

وبالتوافق مع تلك التوصيات، فقد دعت الملاحظات الختامية للجنة العهد الدولي للحقوق الإقتصادية والاجتماعية، الدولة الطرف، إلى (ج)، إتاحة سبل انتصاف فعالة لضحايا انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سياق النزاع المسلح وضمان جبر الضرر الكامل؛ (الفقرة 8/ج). وفي إطار اهتماها المتجدد بالمسائل المتصلة بالأرض، قلقل اللجنة إزاء العدد الكبير من المنازعات على الأراضي وحالات الاستيلاء على الأراضي في الدولة الطرف، نتيجة لعدم وجود نظام لتوثيق سندات ملكية الأراضي، سواء كانت حيازة الأراضي رسمية أو عرفية.ولذلك، أوصت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدولة الطرف بما يلي:

  • إنشاء مؤسسة معنية بالإشراف على تسوية المنازعات المتعلقة بالأراضي؛
  • وضع وإنفاذ نظام للملكية قائم على نهج حقوق الإنسان، ونظام لتسجيل الأراضي يتسم بالكفاءة والشمول والشفافية؛ و
  • الامتثال بشكل كامل لتعليق اللجنة العام رقم 26، الصادر في 2022، بشأن الأرض والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الفقرة16/ أ، ج).

ونادرًا ما عكست الملاحظات الختامية للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوضوح توصيات تقرير مواز. ومع ذلك ، في سياق انتقال الاهتمام الأكبر بالأرض في أداء التزامات الدولة لدعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، قدمت حالة اليمن تطبيقًا مبكرًا للتعليق العام الجديد بما يتماشى مع الدروس التي تمت دراستها وتعلمها مع شركاء شبكة حقوق الأرض والسكن في اليمن.

الصورة: شعار لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع علم دولة الطرف اليمن. المصدر: شبكة حقوق الأرض والسكن.


Back
 

All rights reserved to HIC-HLRN