بيان التحالف الدولي للموئل بشأن العدالة المناخية
فيما يلي البيان الذي أصدرته رئيسة التحالف الدولي للموئل، السيدة/ أدريانا آلين، بمناسبة اليوم العالمي للموئل، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
بالعودة إلى عام 2008، اعتمد مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة للمرة الأولى، (القرار رقم 7/231) الذي أقر صراحة بتداعيات/آثار تغير المناخ على إعمال حقوق الإنسان. وفي حين أن هذا الاعتراف لم يؤد إلا إلى القليل من التغييرات الجوهرية، تواصل الحركات الاجتماعية والبيئية في جميع انحاء العالم الالتقاء / الاتفاق على دعوتها المشتركة للعدالة المناخية، وتكريس المساواة، وحقوق الإنسان، والحقوق الجماعية، والمسئوليات التاريخية تجاه تغير المناخ بصفتها قضية سياسية وأخلاقية ملحة.
وتقر العدالة المناخية بأن التأثيرات المناخية يتم إنتاجها وتوزيعها بشكل غير متساو عبر المناطق الجغرافية والمسارات التاريخية، وعبر الطبقات الاجتماعية، والجندر، والعرق والعمر. وتستدعي العدالة المناخية استراتيجيات طويلة الأمد للتخفيف والتكيف، إلى جانب تغيير جذري ضد إنتاج الظلم الاجتماعي والبيئي وتكراره. وتقوم المدن والمجتمع المدني المنظم بالفعل بشق طريقها إلى الأمام لتطوير خطط عمل مناخية، محددة وجريئة على المستويات المحلية. إن التحدي الذي يواجهنا لا يتمثل فقط في بناء القدرة على الصمود من خلال التدابير المحلية للمناخ، ولكنه يتمثل، وبشكل أكثر جذرية، في إضفاء الطابع المحلي على العدالة المناخية كاحتياج ومطمح إنساني وجودي وعالمي.
وبالتالي، في اليوم العالمي للموئل 2021، وطوال شهر أكتوبر الحضري وما بعده، ندعو في التحالف الدولي للموئل (HIC) إلى التعامل مع العدالة المناخية وتطبيقها كحق إنساني أساسي من حقوق الإنسان المتعلقة بالموئل.
لماذا؟
لأن مجرد قليل من التغيير في التعهدات والأهداف المناخية ليس كافيا. فوفقا لأحدث تقارير الفريق الحكومي الدولي المعني بالتغيرات المناخية (IPPC)، فقد تجاوزنا بالفعل الارتفاع البالغ 1.2 درجة مئوية فوق درجات الحرارة، التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية في جميع أنحاء العالم. إن أهداف اتفاقية باريس التي اعتمدتها 196 دولة طرف في عام 2015، سعت إلى تحديد سقف الاحترار العالمي، بحيث لا يزيد على 1.5 درجة مئوية، ولكن لا يزال متوسط درجة حرارة الأرض في ارتفاع بمعدل غير مسبوق حتى يومنا هذا. إن التعهدات بالتخفيف من حدة هذه الأخطار أو التكيف معها ليست طموحة أو عميقة بما فيه الكفاية، كما لا يتم اعتمادها بسرعة كافية للتعامل مع أشكال الظلم المتعددة التي تتفاقم بسبب تغير المناخ.
لأن تغير المناخ قضية اجتماعية وبيئية على حد سواء تؤثر على حياة الجميع، وتؤثر بشكل غير متناسب على النساء والرجال المهمشين، الذين يعانون من الفقر ونقص الخدمات، فمن الأحوال الجوية القاسية إلى مستويات سطح البحر الآخذ في الارتفاع، يهدد تغير المناخ الوجود البشري وغير البشري، وله آثار سلبية على حماية معظم حقوق الإنسان المتعلقة بالموئل في جميع المناطق الحضرية والريفية.
لأن التباين بين المسئوليات والتأثيرات صادم. فبين عامي 1990 و2015 كان أغنى 10% من سكان العالم الأكثر ثراء مسئولين عن أكثر من نصف انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فيما أطلق 1% من الطبقة الأكثر غنى، ضعف إجمالي الانبعاثات التي أنتجها 50% من سكان العالم الأفقر. فإن أوجه عدم التماثل هذه ليست أرقام مجردة فحسب، فوراءها تكمن الحياة وسبل العيش المهددة للمواطنين العاديين، وحقهم في الحياة الآن وفي المستقبل.
لأن الانتقال العادل ممكن، لكنه يتطلب تغييرات أساسية في اقتصاد السوق الحر السائد، وجني الأرباح على أساس الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتراكم من خلال نزع الملكية، والاقتصادات الموجهة للتصدير التي تعتمد على البصمات البيئية المتزايدة، وسلاسل الإمدادات المطولة، والاستيلاء على الموارد الطبيعية والخدمات عن بعد. فالعدالة المناخية تتطلب الوقف الفوري للدعم المستمر للوقود الأحفوري والاستثمارات فيه، كما يتطلب تغييرات هائلة في أنماط الإنتاج والاستهلاك من قبل الطبقات الوسطى والعليا، ويتطلب أيضا التضامن والعمل الجماعي، والابتكار، والمساءلة، والمسئولية.
على ماذا ينطوي سن العدالة المناخية كحق من حقوق الإنسان؟
تماشيا مع الدعوات الخمس الرئيسية المذكورة في بيان أصوات الموئل، فإننا نطالب بما يلي:
1. هناك حاجة ماسة إلى إعادة التوزيع الاقتصادي العميقة والقدرة على الحصول على التمويل الدولي للمناخ وسيطرة المواطنين على آليات التمويل المناخي، ومع ذلك فإن حصة الأسد من تمويل التحول الأخضر مخصصة لمشاريع القطاع الخاص. إن إعادة التوزيع المطلوبة تتطلب إضفاء الطابع المحلي على الموارد للصالح العام، وضمان تخصيصها من خلال عمليات تشاركية لإعداد الميزانيات والتخصيص. كما تعني إعادة التوزيع العادلة أيضا التوسع في خيارات التنقل بما يتجاوز السيارات الفردية، وتقصير سلاسل الغذاء، وحماية واستعادة سيادة السكان الأصليين على الغذاء. وتتطلب أيضا دعم العمليات المتعددة التي تحافظ على الاقتصادات المحلية الدائرية والتضامنية، وهي عمليات تعتمد عادة على القطاع غير الرسمي، ويتم تجريمها ووصمها في مفارقة كبيرة. كما يتطلب أيضا احترام الأرض كاحتياج بيولوجي بشري، واحترام الاستخدام العادل للأرض وإعادة توزيعها، ووقف الاستيلاء على الأراضي المشاع، ومصادرتها وحماية وظيفتها الاجتماعية. ترتبط العدالة المناخية أيضا ارتباطا وثيقا بحماية حقوق السكن والإنتاج الاجتماعي للموئل، مع إدراك أن السكن هو أكثر من مجرد سقف، وأن الإنتاج الاجتماعي وغير الرسمي هو أمر حيوي، في حين أنه عادة ما يكون محاصرا ومهدرا. إن التقاطع بين العدالة المناخية والسكن الملائم كحقوق إنسانية مشتركة يثيران تحديان هائلان، أولهما، التعامل مع المساهمة الثقيلة للتوسع الحضري وقطاع البناء في الانبعاثات العالمية، مما يضيف طبقة أخرى من التحديات لكيفية التعامل مع العجز في السكن والحفاظ علي الإسكان الاجتماعي القائم. ويحثنا هذا على استكشاف طرق ليس فقط للبناء، ولكن أيضا لتجديد المساكن الحالية، وإصلاحها، وإعادة تأهيلها وإعادة توزيع مخزوناتها الحالية. والآخر، من خلال مواجهة الموجة الهائلة من عمليات الإخلاء القسري والتهجير التي ترتكب في جميع أنحاء العالم باسم المخاطرة، والتي يتم تبريرها بشكل متناقض كوسيلة لحماية الحياة، بينما في الواقع يتم تطهير الأرض لإفساح المجال لمشاريع المضاربات العقارية، والأسوأ من ذلك: تفكيك المجتمعات على أسس عرقية أو غيرها من أسس الهندسة الاجتماعية.
2. من الضروري الاعتراف بالحالات غير المرئية وأوجه الاختلاف حيث أن تأثيرات تغير المناخ عالمية، ومع ذلك فهي غير متكافئة إلى حد كبير، وتؤدي إلى تفاقم التفاوتات القائمة، وإنتاج أشكال جديدة من التفاوتات. لكن يجب أن يترجم هذا الاعتراف في صورة تمكين حقيقي، وإعمال لحقوق الإنسان، لصالح أولئك الأكثر تضررا، لكي يشاركوا بشكل هادف في التكيف المناخي وتخفيف آثاره عبر الجندر ، والطبقات الاجتماعية، والعرق، والإثنية، والعمر، والموقع الجغرافي، والقدرات البدنية، وغيرها. عندما تحدث الكوارث الناجمة عن تغير المناخ، فإنها غالبا ما تصيب المجتمعات الفقيرة أولا وبصورة أكثر حدة، حيث تشكل النساء بالفعل 70% من أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر. ولذلك، فإن النساء والفتيات أكثر عرضة لآثار تغير المناخ والتدهور البيئي، وسيظللن كذلك. وبسبب أدوارهن المزدوجة كمعيلات ومقدمات للرعاية، فإنهن يواجهن العديد من العواقب السلبية عندما يتغير المناخ، في بعض الأحيان يكون ذلك دفعة واحدة: من الوقود والغذاء ونقص المياه الصالحة للشرب، إلى فشل المحاصيل وفقدان الدخل والآثار الصحية، فضلا عن العديد من الآثار السلبية الناجمة عن عمليات النزوح نتيجة للكوارث البيئية. بعد الفيضانات والجفاف والعواصف، غالبا ما تتعرض النساء للعنف المنزلي والجنسي، ويحرمن من الخدمات الأساسية. تتمتع النساء والفتيات بمعرفة لا تقدر بثمن حول التكيف مع التغيرات البيئية غير المنتظمة بسبب أدوارهن المتعددة، ومع ذلك يتم استبعادهن عادة من القرارات المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره. وعندما يتم تضمينهن على قدم المساواة، لا تزداد معدلات بقائهن على قيد الحياة ورفاهيتهم فحسب، بل تزيد أيضا معدلات الآخرين. تعمل الحركات الاجتماعية والبيئية، وخاصة الشباب في جميع أنحاء العالم، على ربط النقاط بين الحقوق المدنية وتغير المناخ، وإدانة الراوبط مع العدالة العرقية. المرافق السامة، مثل المحارق ومحطات الطاقة التي تعمل بالفحم، ينبعث منها الزئبق والزرنيخ والرصاص والملوثات الأخرى في المياه والغذاء والرئتين في المجتمعات المحلية. كما ينبعث منها أيضا ثاني أكسيد الكربون والميثان، وهما المحركان الرئيسيات لتغير المناخ. غالبا ما يكون العرق هو المؤشر الرئيسي الذي يفسر موقع المنشآت السامة.
3. التكافؤ في المشاركة السياسية: على مدى السنوات الثلاثين الماضية، كانت المفاوضات في أيدي الحكومات الوطنية، وكانت بعض الدول مسئولة عن أعلى مستويات للانبعاثات التي تعوق التقدم وتقف في صف عدم اتخاذ إجراءات، موفرة بذلك الحماية لمصالح الشركات على حساب حقوق الإنسان وغيرها من أوجه الحياة. وخلال الفترة نفسها، كانت البشرية قد ضاعفت كميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة في الغلاف الجوي. ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)تقر بالمسئوليات المتباينة للدول، بناء على انبعاثاتها التاريخية من غازات الاحتباس الحراري (GHGs). ومع ذلك، فإن العدالة المناخية تتطلب اتخاذ المزيد من الإجراءات للتعامل مع الديون المناخية التاريخية المتراكمة، من قبل عدد قليل من البلدان، وليس فقط على مدى العقود الثلاثة الماضية، ولكن على مدار مسارات أطول من التراكم الرأسمالي الاستغلالي، والإمبريالية، والدمار ونزع الملكية. إن انتظار الجهات الفاعلة على المستويين الوطني وما فوق الوطني للتوصل إلى اتفاق واسع النطاق وذو فعالية كبيرة بشأن تغير المناخ يشبه انتظار جودوت – من غير المرجح أن يحدث، على الأقل ليس في القريب العاجل. سيمثل القمة 26 بمدينة غلاسكو، نقطة رئيسية في التاريخ لتأكيد صفقة عالمية نحو تعهد صافي كربون صفر في أقرب وقت ممكن في هذا القرن. ولذلك، يحتاج المجتمع المدني إلى بناء ضغط جماعي وقوة اجتماعية لتجاوز التعهدات والصفقات، وللمطالبة بإحراز تقدم حقيقي وعميق نحو إعمال حقوق الإنسان والالتزامات التعاهدية الأخرى للدولة لضمان تحقيق العدال المناخية.
4. موئل حقوق الإنسان، وليس الحرب: العدالة المناخية تتطلب كلا من سياسات معنية بتغير المناخ تراعي ظروف النزاعات، وبناء السلام المقاوم للمناخ. ثمانية من الدول العشر التي تستضيف الجزء الأكبر من عمليات صنع السلام متعددة الأطراف في العالم، تقع في مناطق معرضة بشدة لتغير المناخ. وجهود بناء السلام بحاجة إلى أن تأخذ في الاعتبار الكامل الآثار المتعلقة بالمناخ في السياقات التي تعمل بها، وبالتالي تتعامل مع الصراعات وتغير المناخ في وقت واحد لبناء السلام المستدام. ويضاف إلى ذلك، الحاجة الملحة لحماية سيادة الناس على خصخصة الموارد العامة، ووضع حد فوري لاستغلال الناس، والموارد الطبيعية في ظل الاحتلال غير القانوني. بيانات توقعات الموارد العالمية تكشف أن أكثر من ثلثي استخراج جميع الموارد المستهلكة في العالم، يتركز في عشر بلدان، وهي التي تتحمل العواقب الاجتماعية والبيئية، لاستخراج الشركات العالمية. كما تتطلب العدالة المناخية أيضا حماية النساء والرجال والفتيات والفتيان النازحين، بسب الآثار المشتركة للجفاف والفيضانات والصراعات والاحتلال العدواني للأراضي السيادية للشعوب – والتي غالبا ما تكون مدفوعة بإيديولوحيات العنف للسيطرة على استخراج الموارد.
5. الرعاية المتبادلة، والتضامن والمسئولية الاجتماعية: العدالة المناخية تتطلب الاهتمام بالرعاية والتضامن عبر البلدان والمدن والقرى والمجتمعات وداخلها، مع الاعتراف – كما ورد في جدول أعمال الموئل (1996-2016) – بأنها تشكل نقاط على تواصلية المستوطنات البشرية داخل نظام بيئي مشترك. ولا يمكن التعامل مع هذا باعتباره قضية خيرية أو أبوية، ولا كتمويه أخضر greenwashing، للحفاظ على الوضع الراهن، أو كذريعة للقيام فقط بالحد الأدنى من أجل الفقراء، أو المطالبة بـصلابتهم عن طريق الاعتماد على قدراتهم على التكيف. إن تفعيل العدالة المناخية كحق من حقوق الإنسان يتطلب مسئولية اجتماعية وبيئية، والتزام سياسي وسياسات عامة لا لبس فيها.
ولا يمكن اتخاذ تدابير عاجلة ومنصفة وعميقة للتصدي لتغير المناخ على حساب هذه المبادئ والاعتبارات، بل على العكس من ذلك، فإن إمكانية تحقيق عملية انتقالية عادلة ومراعية للبيئة تعتمد على تفعيلها. يجب أن يكون مستقبلنا متجذرا في الممارسات الديمقراطية العميقة التي تقود العمليات التجديدية، والتضامن، والإنصاف والتعاون، والاعتراف بالترابط بين الحياة البشرية والحياة الطبيعية الأخرى، واحترام الحقوق العالمية للجميع. لم يعد عدم الفعل خيارا، لأن العدالة المناخية هي حق من حقوق الإنسان يشمل جميع الكائنات الحية -البشرية وغير البشرية – للعيش بشكل مستدام على هذا الكوكب.
أدريانا ألين، رئيسة التحالف الدولي للموئل، 4 أكتوبر، تشرين الأول 2021.
|