العدالة المناخية : من التسويف في غلاسيكو – إلى المأمول في شرم الشيخ
نظرة تطلعية مؤتمر الدول الأطراف في دورته 26 (CoP26)، من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بقلم هلا صبحي مراد، جمعية دبين (الأردن)
لنبدأ بسؤال ظهرت نتيجته واضحةً جليه في بداية الأسبوع الثاني لمؤتمر الأطراف في اتفاقية تغير المناخ CoP26 : هل اجتمع الأطراف فعلا ًمن اجل الخروج بحلول ملزمة وقابلة للتطبيق؟ أم من أجل الإستعراض؟
لا يملك أحد الإجابة على أي من الأسئلة آنفت الذكر، بل هناك إجابات كثيرة عليها من وجهات نظر متعددة، لكن الأكيد هنا بأن غلاسيكو أعاد لنا سيناريوهات التسويف والتأجيل والجمود وخاصة فيما يرتبط بالشعوب الأكثر تضرراً والأكثر فقراً في العالم.
غياب العدالة في هذا المؤتمر لم يكن في ثنايا مخرجاته فقط، بل بدأ منذ لحظة التحضيرات بعد أن ادركت مؤسسات المجتمع المدني أن غلاسيكو سيكون سقطة جديدة في تاريخ مؤتمرات المناخ، خاصة في ظل إجراءات كوفيد-19 المشددة، والتي فرضت غياب العديد من النشطاء والقادة.
بدأت التعقيدات والعراقيل بالظهور بالتزامن مع مرحلة التنظيم والإعداد، وهو ما أدى الى طلب عديد من الشبكات العالمية والنشطاء في مجال المناخ إلى طلب تأجيل المؤتمر، إلا أن هذه المطالب لم تلق آذانا صاغية وقوبلت كلها بالرفض.
انطلق المؤتمرمع بداية نوفمبر، وخلال اليوم الثاني أَعلن عن تعهد جديد مرتبط بالغابات والأراضي وقع عليه ما يزيد عن 130 دولة، أعقبه تعهدٌ بخصوص الانتقال نحو الطاقة النظيفة وقع عليه بحدود 40 دولة، وكانت خطب القادة رنانة، قوية، واضحة وصاخبه، تعلن عن بداية عصر جديد من العمل واجبة البدء، انتهى الأسبوع الأول بهذه الأجواء الحماسية، إلا أن نارها فترت خلال الأسبوع الثاني، الذي جاء عكس المأمول حيث قال الأقوياء كلمتهم، كلمة التخلي عن المسؤوليات ، وعنوانها لا مخرج من هذه الأزمة.
اتضح لنا أن الحال سيبقى على ما هو عليه، وعلينا أن لا نتجاوز عتبة الـ 1.5 درجة مئوية، وأن نخفض بشكل تدريجي استخدام الفحم ولكن بصورة غير نهائية، وأن نحافظ على المحيطات وأن نبدأ حوار بشأنها، وأن علينا أن نعمل من أجل الطبيعة والأرض والمجتمعات المحلية لضمان الانتقال العادل للطاقة النظيفة، عناوين عمومية وفضفاضة، ولا تملك أي شرعية سوى أنها ستؤرخ بأن وثيقة غلاسيكو - وانا اضيف وثيقة غلاسيكو - عديمة القيمة من الناحية العملية .
نتطلع اليوم نحو الغد متأملين في مؤتمر CoP27 على أمل أن يشكل فارقاً من الناحية الشكلية كونه سيعقد بإحدى دول الجنوب ، تحديداً في القارة الإفريقية، وضمن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط في دولة عربية تقع في الشرق الأوسط، وهذه الأقاليم تعتبر من الأكثر تضرراً جراء تغيرات المناخ ، فهي ترزح من اليوم بين الجفاق، وتدهور الأراضي، والخسائر المباشرة، وفقدان الطبيعة والغابات والتنوع البحري وصولا الى التهديد باختفاء بعض المدن مثل المدن الساحلية وعلى رأسها الإسكندرية التاريخية.
كل هذه الأسباب تدفعنا للتفاؤل الإلزامي الذي ينعش بداخلنا اليقين بأن الدول الأضعف قد تحظى بفرصة انتزاع حقوقها في العيش والاستمرار والعمل على إيجاد خارطة مطالب ومكتسبات ليأتي على رأسها مرفق مالي مباشر معني بالخسائر والأضرار، حيث نواجه اليوم تحدياً وجودياً وانتهاكات حقوقية مباشرة في الحياة والمعاش وتحديدا لسكان المناطق الريفية والنائية والمدن غير المستدامة والمكتظة والمناطق الساحلية وغيرها.
وخلال سنة من الآن يجب تكثيف جهود مؤسسات المجتمع المدني العالمي، لإعلاء كلمة العدالة المناخية وفتح حوارات موسعة على كافة المستويات بما يرتبط بالنهج الحقوقي في التعاطي مع القضية المناخية، خاصة بعد إتخاذ مجلس حقوق الانسان مؤخرا قراره بتعيين مقررٍ خاص معني بالتغيرات المناخية وحقوق الانسان، الذي يجب أن يفتح الأبواب على مصراعيها لتفنيد المسؤوليات وإيجاد اليات المحاسبة التي من شأنها ان تكون أدوات ملزمة لكافة الدول الأطراف في اتفاقيات المناخ والاتفاقيات البيئية، كل ذلك يحتاج جهوداً صادقة وحثيثة اذا أردنا حلاً عادلاً مستداماً خلال مؤتمر الأطراف القادم وبعيداً عن الاستعراض أو الثرثرة والسياحة.
الصورة: شواهد القبور الرمزية تصطف في جلاسكو، اسكتلندا، كرمز لجميع مؤتمرات CoP منذ عام 1992. المصدر: Paul Ellis/AFP/Getty Images
|