المقاومة الزراعية في فلسطين المحتلة: ركيزة الثبات والصمود، في ظل الجائحة
المزارع الفلسطيني، هو السلاح الفعال الأول والأوحد في مقاومة الاحتلال، بل هو الأكثر تأثيراً وفعالية في الدفاع عن الأرض أكثر من مفاوضات عملية السلام الهزيلة. ولإدراك قيمة الأراضي الزراعية، وأهمية الزراعة كوسيلة لكسب العيش للفلسطينيين، فقد مارست إسرائيل ضغوطاً على الفريق الفلسطيني المفاوض في عملية أوسلو، لقبول بأن تكون غالبية الأراضي الزراعية في الضفة الغربية لفلسطين تقع في المنطقة المصنفة (ج). مما يعني أن أكثر من 67% من الأراضي الزراعية للضفة الغربية، تقع مباشرة تحت سيطرة الاحتلال بشكل كامل، وفي نفس السياق، يحرص الاحتلال على حصر الفلسطينيين المحتلين في كيانات حضرية، من خلال عزلهم في مراكز المدن والقرى في ما يسمى مناطق (أ) (ردف الدولة الفلسطينية). كما يعني التحضر في السياق الفلسطيني، منع بقاء وتقرير مصير الفلسطينيين، في باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومنذ عام 1967، يحكم الاحتلال الإسرائيلي/ الصهيوني، من خلال إصدار الأوامر العسكرية المتعددة، التي تستهدف جميع مكونات وأنشطة القطاع الزراعي، وذلك في اطار منع تطوير الأراضي الفلسطينية وزراعتها. ما يؤدي الى هجران الأراضي الزراعية، وتدهورها، ليستغل الاحتلال هذا الوضع، ويستخدم السلاح القانوني الجائر المسمى الارض غير المستغلة، تؤول ملكيتها للدولة [التابعة لقوة الإحتلال، أي إسرائيل]؛ وهو ذريعة تخدم لخلق مأزق، ونبوءة تحقق ذاتها. الاحصائيات أدناه خلال الفترة ما بين 2012–2016، تبين حجم الهجمة الشرسة للاحتلال الإسرائيلي لقمع الزراعة كوسيلة المقاومة ضد الاستعمار:
|
مكونات القطاع الزراعي المستهدف بالاعتداء الاسرائيلي
|
|
السنة
|
منشآت
|
أبار زراعية
|
طرق زراعية
|
اشجار مثمرة
|
أراضي زراعية
|
|
هدم منشىات
|
تهديد منشآت
|
هدم
|
تهديد
|
هدم
|
تهديد
|
اعتداء اشجار
|
اعتداء أراضي
|
|
2012
|
148
|
388
|
61
|
60
|
4
|
3
|
64,000
|
7,484
|
|
2013
|
229
|
362
|
28
|
58
|
30
|
5
|
23,581
|
7,891
|
|
2014
|
197
|
215
|
79
|
39
|
3
|
9
|
22,511
|
4,452
|
|
2015
|
190
|
165
|
38
|
47
|
5
|
14
|
37,896
|
11,255
|
|
2016
|
324
|
238
|
68
|
29
|
2
|
12
|
9,566
|
2292
|
|
المجموع
|
1,088
|
1,368
|
274
|
233
|
44
|
43
|
157,554
|
33,374
|
المصدر: بحث ميداني مباشر – قسم مراقبة الانتهاكات الاسرائيلية – مركز ابحاث الاراضي – 2012–2016.
ويشير استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لجميع مكونات القطاع الزراعي، إدراك الاحتلال لمدى فعالية المقاومة الزراعية وصمودها. لذلك، فإن أيادي المزارعين الفلسطينيين التي تغرس وتحصد الزيتون في الارض المحتلة الآن، ومنذ زمن بعيد، وأقدام المزارعين هي التي تعطى ارض فلسطين المحتلة سمادها، وانفاس المزارع الصامد في أرضه، هي التي تعطي الأرض خصوبتها والثمار رونقها ونكهتها. كحال غيره من الأمم، المزارع هو الذي يصون قلب الثقافة الفلسطينية، المتجزرة في أرض ذلك الشعب الأصلي.
عندما يجتاح الكوكب وباء قاتل، تتراجع جرائم البشر ضد بعضهم البعض، وتتجمد الخصومات، وحث الجميع على الاستجابة من خلال التحالف بشكل تلقائي وطوعي، في مكافحة العدو الخارجي الذي لا يفرق بين إنسان وأخر، بل يتفشى دون تمييز ويحصد الأرواح بلا رحمة وبلا هوية ولا توقفه الحدود.
وحين اجتاح فيروس كورونا (كوفيد-19) العالم، لم يُطبق هذا الإيقاف الهادف، لا في الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، والتي تخضع للاحتلال العسكري الإسرائيلي. ولا في كافة أرجاء أراضي فلسطين التاريخية، لكن تحدى الفيروس حدود كافة الدول في الإقليم التي من صنع الإنسان، بل العالم في الواقع.
ويوضح الجدول التالي، معدلات الانتهاكات في سياق خاص بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية الفلسطينية، قبل وبعد الجائحة. مع رسم بياني يعكس مضاعفة تلك الإجراءات التي فرضها الاحتلال، استغلالاً للظرف القاسي، حيث العالم منشغل في مكافحة وباء فايروس كوفيد-19.
|
الانتهاك
|
قبل وباء كورونا
|
في ظل وباء كورونا
|
|
مصادرة الأراضي – دونم
|
850
|
1480
|
|
الاعتداء على الأشجار – عدد
|
119
|
956
|
|
هدم المساكن والمنشآت - عدد
|
30
|
32
|
|
التهديد بهدم المساكن والمنشآت – عدد
|
61
|
187
|
|
الاعتداءات على الأراضي والمزروعات – دونم
|
43
|
190
|
|
اعتداءات على المزارعين – عدد
|
20
|
24
|
الاستنتاجات والتوصيات
بيد أن شجرة الزيتون هي الرمز الوطني الفلسطيني للثبات على الأرض، فالمزارع الفلسطيني هو تجسيد للصمود، وبالتكاتفهم معاً، فهم الحراس، ضد أطماع ومخططات المحتل في أرض فلسطين. لذا وكمجتمع مدني فلسطيني، وكمؤسسة مختصة (مركز أبحاث الأراضي)، نسعى إلى حماية المزارع الفلسطيني، ونقلل من الخسائر، ونعزيز الصمود في هذه المرحلة بالغة الخطورة من الاحتلال. تستند رؤية المركز إلى مبادئ عامة، لتشكيل عوامل القوة، وهي:
- الإنسان الفلسطيني ينضم إلى أخيه المزارع في عشق أرض فلسطين، ويتمسك بها لأبعد الحدود باعتبارها ركيزة الصمود.
- بالرغم من صغر مساحة فلسطين نسبياً، وفقد الكثير من أراضيها، نتيجة للاستعمار والاحتلال، وبالرغم من ما يواجهه الإقليم من جفاف وتصحر، وشح للمياه، لا تزال فلسطين تمتلك تنوعاً بيولوجياً كبيراً، في كل من تصنيف الأراضي والتربة، والتنوع في المناخ، وتنوع الحياة الحيوانية والنباتية، فضلاً عن، انتاج زراعي ملائم كوسيلة لكسب العيش.
- استحقاق صمود الفلاحين المزارعين الدعم من أجل الحفاظ على الأرض الفلسطينية، وقمع هجمة الاستعمار الاستيطاني.
- البدو الفلسطينيون كان لهم الفضل في حفظ الكثير من الأراضي المستهدفة من قبل الاحتلال، كما أن انتشارهم أفشل الكثير من المخططات المستوطنات الاستعمارية.
- سكان مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، يتمتعون بطاقة بشرية هائلة، إلا أنها غير مستثمرة كما يجب لتحسين إمكاناتهم.
- يمتلك الشعب الفلسطيني عدداً من المؤسسات الوطنية غير الحكومية، التي تحمي النسيج الاجتماعي الفلسطيني، تستطيع حماية النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتعد من بين أبرز أدوات الصمود في كل المراحل. وتضم (مؤسسات أهلية تخصصية؛ وجامعات؛ ومراكز أبحاث؛ ومؤسسات مهنية؛ وبحثية؛ وثقافية؛ ورياضية؛ وجمعيات خيرية؛ وتعاونية؛ ونقابات مهنية وعمالية؛ وطلابية؛ لكل القطاعات والتخصصات).
- جميع أراضي فلسطين، ينظمها عدد كبير من قوانين الأراضي والأوامر العسكرية الاحتلالية، والتي غالباً ماتكون متداخلة، وأحياناً متناقضة، ودائماً معقدة، مع التشريعات والأنظمة. وهذه بقدر ما هي مشكلة، إلا أنها قد تشكل فرصة لقرارات ثورية محفزة للأفراد والجماعات.
منظومة البلديات والمجالس القروية واللجان المحلية، التي ساعدت على تطويرها السلطة الفلسطينية، قادرة على المساهمة في تحقيق شيء من التوازن لحماية النسيج الاجتماعي، والاقتصادي الفلسطيني، إذا ما تعاونت بصورة معمقة مع مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني.
واستناداً لهذه المبادئ، يقترح مركز أبحاث الأراضي، تطوير منهجية دائمة، لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني الأصلي على أرضه، وهو الضمانة لمقاومة وإفشال مخططات الاحتلال. ويتطلب هذا جهد جماعي معمق، وعليه نقترح على هذا الدرب ما يلي:
- تعزيز فكرة لجان البلدية، والمجالس القروية، التي أنشأها مركز أبحاث الأراضي، وما زال ينشئ المزيد منها، حتى تقوم كل بلدية بمتابعة قضايا أرضها ومواطنيها بشكل فعال، كنوع من توزيع المسؤوليات والأعباء مما يجعل القيام بها أسهل.
- توزيع الأراضي غير المستغلة، من الأملاك العامة والمشاعية وأراضي الأوقاف، على المزارعين (غير المالكين)، وعلى البدو المنتشرين عليها بشرط استصلاحها والعيش عليها وحمايتها. ولا يكون ذلك بدون تمليك حقيقي لهم لأجزاء منها، حتى يتسنى لهم الدفاع المستميت عنها، منذ أن أصبحت هذه الأراضي مستهدفة دائماً من الاحتلال الذي يغتصبها بذريعة عدم ملكيتها لأحد.
- الاستثمار في طاقة شباب المخيمات الفلسطينية، الذين لم يتبقى لهم مكان يسكنون فيه داخل المخيم، ولا سبيل لمعظمهم بشراء أراضي خارجه. فهؤلاء قد يكونوا مؤهلين لتوزيع أراضي خزينة الدولة والأراضي الوقفية عليهم، سواءبتأجيراً آمناً، بلا رسوم، ولا ضرائب، من أجل حماية حيازة الفلسطينيين عليها. مثل تلك الترتيبات ينبغي أن تكون قائمة على معايير رسمية، وشروط ملزمة، التي من شأنها أنتحمي الأرض من خطر التمدد الاستيطاني اليهودي.
- تجديد حظر بيع الأراضي لأن الأراضي الفلسطينية ليست للبيع.
- الحد من ظاهرة عودة كبار الملاك والإقطاع، فهؤلاء لم يكونوا الأحرص على حماية الأرض يوماً.
- التركيز على المشاريع الزراعية، والصناعية، الصغيرة والأسرية، التي تعزز الصمود والقدرة على المجابهة والتعافي، من الضغوط التي يمارسها الاحتلال.
- الحد من المشاريع العملاقة، والتي تضيق الفرص على صغار المنتجين والكَسَبة، وقدراتهم الاقتصادية، وإجبارهم على التنسيق مع الاحتلال، حتى لا تنهار اقتصادياً، مما يكسر أي قرار وطني صلب في مواجهة الاحتلال.
- التركيز على الزراعة العامة، وتقنيات الزراعة المنزلية (نباتية أو ثروة حيوانية أو دواجن)، والتي تنتج الغذاء اللازم للاستهلاك الفلسطيني المحلي، وليس للتصدير. وهذا ما يرفع القدرة على تحمل أعباء المواقف الوطنية، كالعصيان المدني، أو منع التجوال، أو الإغلاقات، التي قد تحدث في أي لحظة.
- تعزيز برامج العمل الجماعي الفلسطيني، من خلال التلاحم بين المؤسسة الرسمية، والشعبية والمدنية، وتطوير العمل التعاوني الحقيقي غير المسيس تنظيمياً.
وبعد .. لا شك أن الشعب الفلسطين الأصلي، يعيش في أزمة ممتدة، ووباء الاحتلال المعقد، التي تتحدى الشعب، وتنكر وجوده. فالناس التي تعيش وتعمل على الأرض، مواجهة تلك التحديات، بصدرها العاري نيابة عن الأمة كلها، وأنهم يواجهون خطر التصفية، ولا سبيل لهم سوى التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضهم، وحيازتها بشكل دائم. وأن مواجهة تلك التحديات، تتطلب النضال والكفاح بشتى السبل، للحفاظ على هذا الحق التاريخي الذي سيعود يوماً عندما تستيقظ الأمة، لتحقيق مصيرها السامي.
مراد الحوساني وجمال طلب العملة
مركز أبحاث الأراضي
القدس-فلسطين
الموقع الإلكتروني: www.Lrcj.org
أنظر أيصاً من إصدرات مركز أبحاث الأراضي:
الاحتلال والأرض الفلسطينية في ظل وباء الكورونا
الهدم الذاتي لمساكن الفلسطينيين في القدس: جريمة احتلالية مضاعفة بحق الإنسانية
الصورة في الصفحة الأمامية: السيدة الفلسطينية محفوظة عودة، 60 سنة، تبكي وهي تحتضن أحد أشجار الزيتون، في قرية سالم بالضفة الغربية، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2005. فقدت الحاجة محفوظة، مع غيرها من أهالي القرية العشرات من أشجار الزيتون، بعد تقطيعها من قبل مستوطنين إسرائيليين من مستعمرة إيلون موري، المقامة على أرض القرية. المصدر: جعفر الشتية/AFP، Getty Images.
الصورة الأخرى للمقالة، هي خريطة للمنطقة أ، ب، ج في الضفة المحتلة، والتي تم تقسيمها في اتفاقات أوسلو. المصدر: UN OCHA.
|